ليس للإنسان - أي إنسان - مقومات ذاتية أو الفلاح .. هكذا خلقه الله ﷿، يستوى في ذلك الأنبياء والمرسلون مع الخلق أجمعين ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
فنحن جميعًا نستمد قوتنا من الله ﷿ لحظة بلحظة، وآنا بآن.
نعم أعطانا الله ﷿ أسبابًا ومواهب وإمكانات كالذكاء، أو اللباقة، أو البلاغة، ولكن هذه الإمكانات ليس لها أي قيمة بدون القوة الفاعلة من الله ﷿.
هل رأيت طفلًا رضيعًا - حديث الولادة - يستطيع أن يطعم نفسه، أو يسقيها، أو ينظف جسمه أو يصرف عن نفسه الأذى؟!
ما درجة اعتماده على أمه في هذه الأمور وغيرها؟ وماذا لو تركته يومًا واحدًا دون رعاية؟
حاجتنا إلى الله:
إن حاجتنا إلى الله ﷿ أشد وأشد من حاجة هذا الرضيع إلى أمه، فالقلب على سبيل المثال يحتاج إلى الله في كل لحظة؛ ليستمر في الخفقان واستقبال الدم المحمل بثاني أكسيد الكربون وإعادة تحميله بالأكسجين وضخه مرة أخرى إلى الجسم فيما لا يقل عن سبعين مرة في الدقيقة.
بلايين الخلايًا داخل جسم الإنسان تحتاج في كل لحظة إلى تعاهد ورعاية للاستمرار في أداء وظائفها الحيوية، وعدم التحول إلى خلايًا سرطانية.
تخيل نفسك وقد أوكل إليك إدارة شئون جسمك من حواس وغدد وأعضاء وأجهزة .. ملايين العمليات الحيوية التي تتم كل لحظة عليك أن تديرها بنفسك.
هل تستطيع فعل ذلك ولو للحظة واحدة؟!
[ ٢٧ ]
إذن فعندما يوكل العبد لنفسه للقيام بأى مهمة دون إعانة من الله ﷿ ولو لطرفة عين، فإنه يوكل للضعف والضياع .. لذلك كان من دعائه ﷺ: " وإنك إن تكلنى إلى نفسي تكلنى إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك " (١).
هذه هي إحدى الحقائق الأساسية التي يقوم عليها بنيان الإنسان، وإذا ما نسيها فما أسهل وقوعه فريسة لداء العُجب .. سينخدع في الأسباب التي حباه الله إياها .. سيظن أنه ذكي بطبعه، بليغ ينطق بأسلس العبارات دون تكلف .. لديه القدرة على التأثير في الناس، قوي بما لديه من عضلات .. خبير بما يعرف من معلومات ..
نعم، لديه هذه الإمكانات، ولكن ما قيمتها بدون المدد الإلهي المتواصل؟! ألم يقل ﷾ لرسوله ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤].
الجهل بطبيعة النفس:
من تعريفات النفس البشرية أنها مجموعة الشهوات والغرائز داخل الإنسان فهي تسعى دائمًا للحصول على شهواتها وحظوظها من كل فعل يفعله العبد .. جاهلة، لا تنظر إلى العواقب، كالطفل الذي لا يمل من الإلحاح على أبويه في الحصول على شيء قد يكون فيه ضرر كبير عليه.
نفس أمارة بالسوء، لا تأمر صاحبها إلا بما تراه يحقق مصلحتها ..
شحيحة تحب الاستئثار بكل خير.
_________________
(١) حسن: رواه أحمد والطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (٦٥٧).
[ ٢٨ ]
شهوات النفس:
وشهوات النفس تنقسم إلى قسمين:
شهوات جلية: من طعام، وشراب، ومال ونساء وذهب، وعقارات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].
وشهوات خفية: من حب للتميز، والعلو على الآخرين، وأن يشار إليها بالبنان وإذا ما أردت مثالًا للشهوة الخفية فتأمل ما يحدث لك عندما يمدحك شخص ما.
ألست تشعر بالسعادة والانتشاء، وتظل تذكر كلمات المديح في غدوك ورواحك.
إن الشعور الذي يتملكنا في مثل هذه اللحظات يطلق عليه الشهوة الخفية.
معنى ذلك أن النفس لن تأمر صاحبها إلا بما يحقق شهواتها، فإذا ما ترك لها أحد الزمام، وأحسن الظن بها فسيصبح حتمًا أسيرًا لها ..
إن تكلم فستأمره بالحديث عن إنجازاته.
وإن صلى بالليل حثته على الإعجاب بها، وأنه أفضل من غيره النائم
إن أمر بمعروف أو نهي عن منكر ألحَّت عليه لاستحسان فعله، ورضاه عنه.
وهكذا ستعمل دومًا على أخذ حظها من كل فعل يقوم به الإنسان.
من هنا ستضح لنا طبيعة النفس، والتي إن غابت عن العبد تسلل إليه داء العُجب وتمكن منه.