لو افترضنا أن كل نعمة من نعم الله علينا تحتاج إلى ساعة -على الأقل- من السجود لله ﷿ كل يوم لتستمر في أداء دورها .. إما أن أسجد هذه الساعة أوتمتنع النعمة عنك، فالقلب سيتوقف، والعين لن تبصر، والكبد لن تعمل،
[ ٨٧ ]
والكلية لن تنقي السوائل، والنخاع لن يفرز خلايا الدم، وخلايا الجسم لن تمتص السكر .. البول سيحبس والدم لن يتأكسد، والغدد سيتوقف إفرازها لن نتمكن من السماع أو الكلام أو الشم أو اللمس المعدة سترفض استقبال الطعام، والعضلات سترتخي، والنوم لن يأتي .
لو افترضنا ذلك في كل ما أنعم الله به علينا لوجدنا أننا نحتاج إلى مئات بل آلاف الساعات نسجد فيها لله كل يوم لنؤدي جزءًا يسيرًا من حقه علينا فيما حبانا به من نعم
جاء في الحديث: لو أن رجلًا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله يوم القيامة (١).
هذه الحقيقة عندما تستقر في كيان الإنسان فإن من شأنها أن تنسيه عمله الصالح، بمعنى أنه لن يظن أن له مكانة عند الله بهذا العمل، أو أنه يستحق به دخول الجنة، ودرجاتها العلى، بل يعمل ويجتهد فيه ثم يستغفر الله بعد القيام به لشعوره بأن حق الله عليه أعظم مما يفعل، وأنه إن لم تتداركه رحمة الله وعفوه فسيهلك، كمن أدان شخصًا بمبلغ كبير من المال يبلغ مثلًا مليون دينار، ثم قام هذا الشخص بالاجتهاد في العمل وفى نهاية كل شهر قام بسداد درهم واحد ما هو شعور هذا الشخص وهو يقدم الدرهم لدائنه؟! هل شعور الفخر والإعجاب بهذا الدرهم، أن أنه سينكس رأسه وهو يعطيه له، ويشعر بتقصيره الشديد في حقه، ويستعطفه ويرجوه أن يسامحه على تقصيره؟!! بل يرى أن قبوله له محض فضل منه وإحسان.
هذا لو كان الدين يساوي ذلك فقط، فما بالك بدين الله علينا الذي تعجز قدرات العقل عن إحصائه؟!!
_________________
(١) حسن، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ح (٥٢٤٩).
[ ٨٨ ]
كم تساوي نعمة البصر؟!
عن جابر ﵁ مرفوعًا عن جبريل ﵇: " أن عابدًا عبد الله على رأس جبل في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه، أن يقبضه ساجدًا، قال جبريل: فنحن نمر عليه إذ هبطنا وإذا عرجنا، ونجد في العلم أن يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله ﷿ فيقول الرب ﷿: أدخلوا عبدى الجنة برحمتي، فيقول العبد: يارب بعملي، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يقول الله للملائكة: قايسوا عبدة بنعمتي عليه وبعمله، فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادته خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد كله، فيقول: أدخلوا عبدي النار: فيجر إلى النار. فينادي: برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك أدخلنى الجنة فيدخله الجنة .. قال جبريل: إنما الأشياء برحمة الله يا محمد (١).
إذن فلو عذب الله أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم.
فمهمها عملنا واجتهدنا فلن يكون عوض هذا العمل النجاة من النار والفوز بالجنة، لذلك قال ﷺ لصحابته: " لن ينجي أحدًا منكم عمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة الحديث " (٢).
فإن كل فرد مطالب بشكر النعم التي حباه الله إياها، فإن أعماله كلها لن تفي بحق شكر نعمة واحدة، وسيبقى سائر النعم لا يقابلها شكر، فيصبح صاحبها مستحقًا للعذاب بذلك.
عن ابن عمر مرفوعًا: " إن الرجل يأتي يوم القيامة لو وضع على جبل لأثقله فتقدم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفذ ذلك إلا أن يتطاول الله برحمته" (٣).
فمن استعظم عمله، ورأى أن له حقًا على الله به، طالبه سبحانه بحقه عليه.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٧٨، رقم ٧٦٣٧) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٥٠، رقم ٤٦٢٠)، وضعفه الألباني في الضعيفة برقم ١١٨٣.
(٢) متفق عليه البخاري (٥/ ٢٣٧٣، رقم ٦١٠٢)، ومسلم (٤/ ٢١٧١، رقم ٢٨١٨).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب برقم ٩٣٧.
[ ٨٩ ]
قال وهب: عبد الله عابد خمسين عامًا، فأوحى الله إليه: إنى قد غفرت لك. قال: أي رب وما تغفر لي ولم أذنب، فإذن الله لعرق في عنقه يضرب عليه فلم ينم، ولم يصل، ثم سكن ونام، ثم أتاه ملك فشكا إليه، فقال: ما لقيت من ضربان العرق، فقال الملك: إن ربك يقول: إن عبادتك خمسين عامًا تعدل سكون العرق (١).