قد يقول قائل: ولم العمل إذا كانت أعمالنا لن تكون سببًا في نجاتنا من النار أو الفوز بالجنة؟!
الإجابة عن هذا السؤال تستدعي منَّا تذكر مثال صاحب الدَين، والمَدِين، الذي تم ذكره في الصفحات السابقة.
فصاحب الدَين عندما يرى استهتارًا من المدين وعدم مبالاته بالسداد، فإنه يعرض عنه ويغضب منه، ولا يفكر في إسقاط دينه، بخلاف من يراه مجتهدًا في السداد - مع عدم قدرته على الوفاء - فإنه قد يتجاوز
_________________
(١) المحجة في سير الدلجة لابن رجب ص ٤٢ - دارالبشائر الإسلامية - بيروت.
(٢) الزهد للإمام أحمد ١١٨.
(٣) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ٢٨٦ - دار الكتب العلمية - بيروت.
[ ٩١ ]
عنه. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
فالعمل والاجتهاد في فعل الخيرات ما هو إلا وسيلة لنيل الرحمة والمغفرة والتعرض للعفو والتجاوز.
لذلك نجد القرآن يطالبنا بالاجتهاد في العمل للتعرض للرحمة والمغفرة الإلهية، والتي إذا ما تمت للعبد فسيتبعها - بمشيئة الله - دخول الجنة، فضلًا ورحمة منه سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
لذلك كان حال المؤمنين أنهم ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
أي يفعلون ويفعلون من الطاعات والقربات ويخافون ألا يتقبلها الله منهم، لاستشعارهم أنها لا تليق بعظمته سبحانه، ولا بحقه عليهم، وهذا الشعور من شأنه أن يدفعهم للاستغفار بعد الطاعة، لا الإعجاب بها أو استعظامها.
قال الحسن البصري: لقد أدركت أقوامًا إذا عملوا الحسنة دأبوا على شكرها وسألوا الله أن يقبلها، وإذا عملوا سيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفرها، فما زالوا على ذلك، فوالله ما سلموا من الذنوب، وما نجوا إلا بالمغفرة.