إذن فكثرة التفكر والنظر في حق الله ودينه علينا لها كثير من الفوائد التي من شأنها أن تعيننا على استصغار أنفسنا وأعمالنا.
[ ٩٢ ]
فمن هذه الفوائد:
١ - عدم رؤية العمل الصالح أو الاعتماد عليه بل استصغاره، والنظر إليه بعين النقص مهما كان اجتهاد العبد، فالذي يجتهد ويجتهد ثم يسدد بضعة دراهم من دينه البالغ المليون دينار، لن يشعر بأنه قدم شيئًا يذكر، فتراه دومًا مستصغرًا ما يقدمه لدائنه طامعًا في عفوه.
٢ - عدم احتقار الآخرين أو الشعور بالأفضلية عليهم: فالكل مدين لله ﷿، ولا يسع الجميع سوى عفوه، وإلا فالنار مصير من لم يدركه ذلك العفو.
فالذي يقدم خمسة دراهم لصاحب الدين الكبير لن يشعر بأنه أفضل ممن قدم درهمًا أو نصف درهم فالكل مقصر، والكل يستحق العقوبة، ولا أمل إلا في المسامحة والعفو.
٣ - الخوف الدائم من عدم قبول العمل: فمن الطبيعى ألا يقبل صاحب الدين الكبير، سداد جزء يسير منه، فإن قبله فهذا محض فضل وإحسان منه.
٤ - الحذر الشديد من السكون إلى النفس أو الإعجاب بها: حتى لا يتعرض العبد لمقت الله معاملته بالعدل لا بالإحسان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
يقول ابن القيم: فمن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العُجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدى ربه واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته (١).
٥ - سؤال الجنة استجداء لا استحقاقًا: فمن تفضل الله عليه، وقبل عمله، وتجاوز عن حقه وعفا عنه، أدخله الجنة ورفعه في درجاتها بهذا العمل القليل الى أداه .. رحمة منه - سبحانه - وفضلًا.
_________________
(١) إغاثة اللهفان لابن القيم ١/ ١٤٣ - المكتب الإسلامي - بيروت.
[ ٩٣ ]
(ولا ينافى هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه لا باستحقاق العبيد، أو أنهم أوجبوه عليه بأعمالهم) (١).
وسائل المعرفة:
التعرف على الله المنعم، وحقه المستحق علينا يستدعي منا معرفة نعمه علينا، وكلما توسع العبد في معرفة النعم ازداد شعوره بالتقصير في حق مولاه