قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ، الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَوْزِيُّ ﵀:
الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَ عُمُرَ الآدَمِيِّ سَفَرًا إِلَى الأُخْرَى طَوِيلا وَقَصِيرًا، فَسَارَ النَّاسُ بِبَضَائِعِ الأَعْمَالِ، فَرَبِحَ الْمُتَيَقِّظُونَ رِبْحًا كَثِيرًا، وَهَلَكَ الْمُفَرِّطُونَ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ عَادَ مِسْكِينًا فَقِيرًا، عَرَضَتْ لَهُمُ الشَّهَوَاتُ فِي بَرِّ الْبِرِّ فَصَارَ الْجَاهِلُ لَهَا أَسِيرًا، فَجَدَلَهُ سَبُعُ الْهَوَى فَجَنْدَلَهُ، فَلَقِيَ هَوْنًا وَتَغْيِيرًا، وَكَمْ حَثَّهُ الشَّرْعُ عَلَى الْجَدِّ، كَمَا يَحُثُّ الْمُسْتَأْجِرُ أَجِيرًا، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يذكر أو أراد شكورًا﴾ .
أَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ جَعَلَ حَمْدُهُ مِصْبَاحًا وَشَهِيرًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ الْمَبْعُوثِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَرَزَقَنَا حُسْنَ اتِّبَاعِهِ ﴿وَكَانَ ربك قديرًا﴾ .
[ ٢٩ ]
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ الْعُمْرَ بِضَاعَةً لِلآدَمِيِّ، فَعَجِبْتُ مِنْ تَفْرِيطِ النَّاسِ فِيهِ، كَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا مَيْدَانُ شِقَاقٍ، وَأَنَّ غَايَةَ الْعُمْرِ الْغَايَةُ، إِلا أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي السِّبَاقِ عَلَى مِقْدَارِ الْهَمِّ، وَتَفَاوُتَ الْهِمَمِ عَلَى قَدْرِ الإِيمَانِ بِالآخِرَةِ، فَمَنْ صَدَقَ يَقِينُهُ جَدَّ، وَمَنْ تَيَقَّنَ طُولَ الطَّرِيقِ اسْتَعَدَّ، وَمَنْ قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُ تَثَبَّطَ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَقْصُودَ تَخَبَّطَ.
وَقَدْ رَتَّبْتُ هَذَا الْكِتَابَ عَلَى ثَلاثَةِ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الأَوَّلُ: فِي بَيَانِ شَرَفِ الْعُمْرِ وَالْحَثِّ عَلَى اغْتِنَامِهِ فِي الْخَيْرِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي ذِكْرِ مَنْ كَانَ يُبَادِرُ الْعُمْرَ وَيُبَالِغُ فِي حِفْظِ لَحَظَاتِهِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي ذِكْرِ سَبَبِ تَضْيِيعِ العمر.
[ ٣٠ ]