فإذا ما وجد المرء ربه، وربط أحداث حياته كلها به، فإن هذا من شأنه أن يجعله يوحد معاملاته، ويجعلها مع الله ..
فهو يدعو ويجاهد من أجل أن يراه ربه فيحبه ويرضى عنه
يتكلم بحساب، فهو يعلم أن الكلمة التي تخرج من فمه يسمعها ربه قبل أن يسمعها الناس.
ينفق النفقة ولا يهمه كثيرًا من يأخذها - مادام حاله في الظاهر يدل على أنه محتاج - لأنه يعلم أنها تقع في يد الله أولا: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:١٠٤].
فالله ﷿ هو الحاضر معه في كل صفقة أو بيعة يجريها، فيستشعر أنها تتم معه - سبحانه - أولًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:١٠].
لا يهمه كثيرًا رضا الناس عنه أو سخطهم عليه، فليس هذا مطمعه ولا ما يسعى إليه، بل مطمعه في رضاه سبحانه، كما قال الشاعر:
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالحَيَاة ُ مَرِيرَة ٌ وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الّذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ
إذا صَحَّ مِنكَ الوُدّ فالكلُ هَيّنٌ وَكُلُّ الذي فَوْقَ التّرَابِ تُرَابُ
ينتظر الفرصة التي يخلو فيها المكان، وتهدأ الأصوات ليخلو بربه، ويبث إليه أشواقه، ويعرض عليه شكايته، ويطلب منه حاجته ..
يسارع في استرضائه، إذا ما وقع منه تقصير أو تجاوز.
إنه باختصار قد اكتفى بالله واستغنى به عمن سواه.
قال أحمد بن عاصم الأنطاكي: من عرف الله ﷿ اكتفى به، ومن لم يعرفه اكتفى بخلقه دونه، فطال غمه، وكثرت شكايته (٢).
وهذه هي الحياة الحقيقية .. الحياة مع الله ..
كان ابن عطاء يقول في مناجاته: إلهي ماذا وجد من فقدك، وما الذي فقد من وجدك .. لقد خاب من رضي بدونك بدلًا، ولقد خسر من بغى عنك متحولًا.
وهذا إبراهيم بن ادهم يقول: اتخِذِ الله صاحبا، ودع الناس جانبًا (٣).
_________________
(١) مقومات التصور الإسلامي ص (١٩٢).
(٢) استنشاق نسيم الأنس للحافظ ابن رجب، ص (٨٠ - ٨١) -المكتب الإسلامي -بيروت.
(٣) استنشاق نسيم الأنس للحافظ ابن رجب، ص (٧٧).
[ ٢٧ ]
وكان يقول: أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنس إليه بقلبك، وعقلك، وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ربك، ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئًا، فإذا كنت كذلك لم تُبال في بَرٍّ كنت أو في بحر، أو في سهل، أو في جبل، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل، وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطش في اليوم الصائف (١)