إن القرآن الكريم هو الدليل الذي أنزله الله ﷿ ليدل الناس عليه ويقودهم إلى معرفته: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٣].
هذا الدليل يقوم بدور عظيم في تعريف الناس بربهم - بالقدر الذي تتحمله عقولهم - ويعلمهم كيف يستدلون عليه سبحانه من خلال مخلوقاته، ومن خلال أحداث الحياة التي تمر بهم .. ولا يكتفي القرآن بعرض صفات الله وآثاره مرة أو مرتين، بل يعرضها مرات ومرات بأساليب مختلفة لترسخ - من خلال التكرار - في العقل الباطن للقارئ، وتشكل جزءًا رئيسًا من يقينه، وهذا لا يوجد في أي كتاب آخر سوى القرآن.
_________________
(١) مقومات التصور الإسلامي ص (١٩١ - ١٩٢).
(٢) في ظلال القرآن (٥:٢٨٤٩).
[ ٣٤ ]
ومع التكرار في عرض حقائق المعرفة بالله ﷿ تأتي لغة الخطاب المعجز الذي لا يخاطب العقل فقط كما يحدث في الكثير من الكتب التي تعرض الحقائق العلمية - مثلا - والتي من شأنها أن تُضخم العقل دون أن يواكب ذلك تأثير واضح على المشاعر، مما يجعلها ضعيفة الأثر على السلوك .. فالمتأمل لخطاب القرآن يجده يمزج الفكر بالعاطفة .. يستثير كوامن العقل، ويستجيش المشاعر في وقت واحد مما يزيد الإيمان ويولد الطاقة، ويدفع صاحبه للقيام بمقتضى ذلك الإيمان من أعمال البر المختلفة.
يقول محمد الغزالي - ﵀-:
هذا الكتاب يعرف الناس بربهم على أساس من إثارة العقل، وتعميق النظر، ثم يحول هذه المعرفة إلى مهابة لله، ويقظة في الضمير، ووجل من التقصير، واستعداد للحساب (١).
تأمل معي هذه الآيات وما فيها من حقائق تخاطب العقل وتستثير العاطفة: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٢، ١٣].
ومما يساعد العبد كذلك على تحويل الحقائق التي يطرحها القرآن إلى إيمان يرسخ في القلب: قيامه بقراءة القرآن بالطريقة التي أمرنا الله بها: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤] فترتيل القرآن والتغني به وتحسين الصوت عند تلاوته مع فهم المراد منه له وظيفة كبيرة في استثارة المشاعر ومزج الفكر بالعاطفة ومن ثَمَّ زيادة الإيمان في القلب.