إن القرآن الذي بين أيدينا وتراه أعيننا قادر - بإذن الله - على أن يعرفنا بربنا معرفة يقينية، وأن يُنشئ الإيمان بقاعدته العريضة في قلوبنا، وأن يجعلنا نربط حياتنا به سبحانه، وأن يعلمنا كيف نعتبر بآياته المنظورة، وكيف نستدل من خلالها على الله ﷿ فتزداد بذلك المعرفة ومن ثَمَّ المعاملة والقرب.
كل ذلك يفعله القرآن وأكثر وأكثر: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩].
إذن فنقطة البداية في رحلة المعرفة والسير إلى الله هي اتخاذ الدليل الذي يدلنا على الله ويعرفنا به وهذه هي وظيفة القرآن المتفردة.
ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم - ﵀ - فيقول: لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله (١).
ولكي يقوم القرآن بهذه الوظيفة لابد وأن نتعامل معه على حقيقته وأنه أعظم وسيلة تعرف بالله وتُنشئ الإيمان في القلب تأمل معي تعليق الإمام البخاري على قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩].
يقول: "لا يجد طعمه إلا من آمن به."
_________________
(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم (١:٥٥٣) - دار ابن عفان - الخُبر - السعودية.
[ ٤٠ ]
لابد إذن من الاقتناع بأهمية القرآن في بناء الإيمان وتحقيق العبودية .. هذه القناعة ستثمر بمشيئة الله رغبة، وعلى قدر الرغبة والعزم يكون المدد من الله، فالإمداد على قدر الاستعداد، وكما قال ﷺ: "ومن يتحر الخير يُعطه " (١).
وجاء في الأثر عن أبي الدرداء قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني وحببني إلى خلقي، ولن تستطيع أن تفعل ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصًا على ذلك أعنتك عليه، فإذا فعلت ذلك فخذ به اللذة والنظرة وقرة العين والطمأنينة (٢).
فالرغبة والحرص هما مفتاح الانتفاع بالقرآن، ومفتاح لكل خير (٣) .. ألم يقل سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٧، ٢٨].