من هنا ندرك سر شعور الإنسان الذي لا يعيش في حقيقة العبودية بأن هناك شيئا ما ينقصه مهما كان معه من إمكانات.
فتجده كثيرًا ما يمر بلحظات يتملكه فيها الخوف من المستقبل المجهول، خاصة على أولاده من بعده.
في صدره ضيق ووحشة مهما بدا عليه من مظاهر الفرح والسعادة ..
تأتيه أوقات يشعر فيها بضعفه وعجزه واحتياجه إلى قوة تحميه ..
هذه الأمور لا يمكن للإنسان أن يتغلب عليها، أو إغلاق الأبواب دونها بالأسباب المادية، ولو أُوتي مالًا مثل مال قارون، أو قوة وسلطانًا بلا حدود، بل إن هذه الأمور ستزيده شعورًا بالوحشة والاضطراب وعدم الأمان.
_________________
(١) رواه الطبراني عن ابن عباس. قال الشيخ الألباني: (ضعيف)، انظر حديث رقم: ١١٨٦ في ضعيف الجامع.
[ ٧ ]
فلا سبيل لحدوث السلام الداخلي، والشعور بالسعادة والطمأنينة والسكينة إلا من خلال العيش في حقيقة العبودية والتجلبب بجلبابها، ولِمَ لا ومن خلالها يشعر المرء بالأمان وهو يعيش في كنف ربه المقتدر الذي يملك كل شيء، ويقدر على فعل أي شيء يريده، ويستطيع أن يحفظه من كل سوء، ويؤمن مخاوفه، ويحميه ويستره: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢، ٦٣].
فعلى سيبل المثال: الخوف على مستقبل الأولاد وهو أمر يتملك مشاعر الكثير من الناس فيجعل كل همهم جمع المال ليؤمنوا لأولادهم مستقبلهم .. هذا الخوف لا يتملك من يرتدي رداء العبودية لله ﷿، وكيف يتملكه وقد طمأنه ربه وقال له: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩].
وما دام العيد يوقن أن الله هو الذي يكفل الجميع ويكلؤهم بالليل والنهار ففيم الخوف؟!
ويؤكد ابن القيم على هذا المعنى فيقول: ففي القلب شَعْث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته.
وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته.
وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه.
وفيه فاقه لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم يسد تلك الفاقة منه أبدًا (١).