ومع الأصل الحقير، والحجم الصغير، فإن الضعف صفة أصيلة في الإنسان: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨].
فمع أن كل ما في الأرض مخلوق للإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، إلا أنه ليس الأقوى فيها، فهناك من المخلوقات من هو أقوى منه في البنيان أو في التحمل أو في البطش.
وجوانب ضعف الإنسان كثيرة ومتعددة، فهو لا يمكنه أن يتحمل الألم ولا الجوع ولا العطش، بل إنه لا يستطيع مقاومة سلطان النوم فترة طويلة.
قوة إبصاره وسمعه وبطشه محدودة .. لا يمكنه أن يحمي نفسه من هجمة حيوان مفترس أو حتى لدغة حشرة صغيرة.
ضعيف أمام رغبات نفسه من حب للشهوات، ونفور من التكاليف والمشاق.
هذا الضعف المتعدد الجوانب من شأنه أن يجعله دوما بحاجة إلى مصدر للقوة يلجأ إليه ليحتمي به ويدفع عنه كل ما يثير مخاوفه ويعكر صفوه.
ولو تخيلنا أن الإنسان خُلق قويا .. أقوى من كل شيئ في الأرض، هل تظنه سيلجأ يوما إلى ربه يطلب منه العون والمدد؟! ولماذا يفعل ذلك وهو يرى قوته تحقق له ما يريد: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦، ٧].
_________________
(١) أدب الدنيا والدين للماوردي، ص (٢٣١) - دار الكتب العلمية - بيروت.
[ ٤ ]
إن من رحمة الله بالناس وحبه لهم أن خلقهم ضعفاء وابتلاهم بالأمراض ليسهل عليهم القيام بالمهمة التي خُلقوا من أجلها، ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث مع قوم عاد الذين ابتلاهم الله ﷿ بأن حباهم مزيدًا من القوة فأساءوا استخدامها، بل كانت وبالًا عليهم وجعلتهم ينسون حقيقتهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥].
ومع الضعف الشديد للإنسان، واحتياجه الدائم لقوة تحميه فإنه كذلك عاجز، لا يستطيع إنفاذ إرادته .. يريد أن ينام سريعا فلا يستطيع .. يريد أن يسهر فيغلبه النعاس .. يريد تذكر شيء ما فلا يتذكره .. يتمنى أن تلد زوجته ذكرًا فتلد أنثى ..
كل هذا ليستشعر مدى عجزه واحتياجه لمن بيده القدرة على فعل كل شيء، ومن يفعل ما يريد وقتما يريد فيستسلم له ويذعن بين يديه.