مما لا شك فيه أن قيام الجوارح بالعبادة مع حضور القلب وتفاعل مشاعره معها له أثر كبير في زيادة الإيمان والعبودية في القلب، وفي المقابل فإن تحرك الجوارح بالعبادة دون تحريك القلب قليل النفع، ضعيف الأثر، فالرجلان قد يكون مقامهما في صف الصلاة واحدًا ولكن بين صلاتهما كما بين السماء والأرض، وليس ذلك لتفاوتهما في حركات الجوارح، ولكن لتفاوت حركة المشاعر في قلبيهما من الخشوع والذل والانكسار والمحبة لله ﷿.
معنى ذلك أن مجرد الإكثار من العبادة بالجوارح ليس دليلا على قرب صاحبه من الله، بل دليل القرب هو مقدار العبودية في القلب والتي لا يعلم مقدارها إلا الله ﷿ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
والدليل على ذلك الثلاثة الذين ذهبوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ، يسألون عن عبادته ﷺ، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها (أي عدُّوها قليلة)، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ فقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢).
هنا نجد أن رسول الله ﷺ لم يكن يصلي الليل أو يصوم الدهر كله، ومع ذلك كان أكثر الخلق خشية وتقوى لله ﷿، بالرغم من وجود من يصلي الليل ويصوم الدهر كله.
وقس على ذلك ما وُصف به أبو بكر الصديق ﵁ بأنه"ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في صدره" (٣).
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك أن رجلا سأل النبي ﷺ قال: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: "وما أعددت لها؟ " قال: ما أعددت لها من كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: "أنت مع من أحببت".
قال أنس: ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا (٤).
ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ: "والله لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا أكثر الناس صلاة ولا صيامًا ولا اعتمارًا، ولكنهم عقلوا عن الله مواعظه، فوجلت قلوبهم واطمأنت إليه النفوس، وخشعت منه الجوارح، ففاقوا الخليقة بطيب المنزلة وبحسن الدرجة عند الناس، وعند الله في الآخرة" (٥).
_________________
(١) في ظلال القرآن لسيد قطب (١: ١٥٩) - دار الشروق - القاهرة.
(٢) صحيح البخاري (٤٦٧٥).
(٣) المحجة في سير الدلجة لابن رجب، ص (٥٣) - دار البشائر - بيروت.
(٤) البخاري ٣٤٨٥
(٥) رواه ابن السني وابن شاهين والديلمي عن علي.
[ ١٧ ]
والمتأمل في كتب السير والتراجم يجد أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا أكثر صلاة وصياما ممن جاءوا من بعدهم، ولم يؤثر عن أحدهم أنه كان يصلي الفجر بوضوء العشاء كذا وكذا سنة، بل كانوا ينامون ويستيقظون بالليل .. يصومون ويفطرون .. يضحكون ويبكون .. ومع ذلك كانوا أكثر الخلق بعد الأنبياء قربًا من الله ﷿ وعبودية له بقلوبهم.
يقول ابن مسعود مخاطبًا نفرًا من التابعين: أنتم أكثر صلاة من أصحاب محمد ﷺ، وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: وبم ذلك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة (١).