منذ بدء الخليقة وهبوط آدم - ﵇ - على الأرض، وحتى قيام الساعة فإن المطلوب من الإنسان في كل زمان ومكان أن يكون عبدًا لله ﷿.
هذه هي الوظيفة التي خُلق جميع البشر من أجل القيام بها مدة وجودهم على الأرض وذلك من سن البلوغ حتى نهاية الأجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١].
المطلوب من الجميع أن يتجه بمشاعره نحو الله أن يحبه ويخافه ويتذلل إليه ويهابه ويجله ويتقيه .. .
هذه العبودية المطلوبة من البشر جميعا تحتاج بلا شك إلى مظاهر تظهرها، وأعمال بالجوارح تُعبر عنها من هنا كانت الشرائع السماوية التي تحدد للناس أشكال الأعمال التي ينبغي عليهم أن يقوموا بها إظهارًا لعبوديتهم لله ﷿.
_________________
(١) اتفق العلماء على أن هناك عبادات محلها القلب من حب وخوف ورجاء وتوبة وإخلاص .. وعبادات محلها الجوارح كالصلاة والصيام والذكر والحج. وقد أدرج بعضهم القسمين تحت مسمى العبادة، وإن كانوا قد فرقوا بينهما بعد ذلك فسموهما: عبادة القلب، وعبادة الجوارح، أو أعمال القلب وأعمال الجوارح، والبعض الآخر أدرج عبادات القلب تحت مسمى (العبودية)، وعبادات الجوارح تحت مسمى (العبادة). والملاحظ أن جوهر التقسيم واحد وإن اختلفت المسميات، ونحن في هذا الكتاب نتبنى الرأي الثاني.
[ ١٣ ]
والملاحظ أن الشرائع السماوية مختلفة في بعض أعمالها وهيئاتها ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]؛ إلا أنها تشترك جميعها في كونها تعبر عن معاني العبودية لله ﷿، والتي لا ينبغي أن تختلف من شخص لآخر مهما كان وضعه أو مكانه أو زمانه الذي يحيا فيه.
ومن أمثلة اختلاف شرائع من قبلنا عن شريعتنا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:١٤٦].
وأخرج الإمام أحمد في الزهد أن وهب بن منبه سُئل: ما كان شريعة أيوب ﵇؟ قال: التوحيد وصلاح ذات البين، وإذا أراد أحدهم حاجة إلى الله ﷿ خر ساجدا ثم طلب حاجته (١) ..