من هنا تتضح لنا أهمية العبودية وضرورة تمكنها من المشاعر أولًا لتأتي العبادة فتعبر عنها وتزيدها رسوخًا في القلب ومن ثَمَّ انعكاسًا على السلوك، ومما يؤكد هذا المعنى أن التربية الربانية للجيل الأول كانت تركز على العبودية وزيادة الإيمان في القلب أولًا قبل تشريع العبادة، فكما قيل بأن الإسلام بدأ مشاعر ثم شعائر ثم شرائع.
إنه لأمر عجيب أن تُفرض الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج، ويفرض الصيام وسائر التشريعات في المدينة بعد سنوات من البعثة .. فما كان الذي يفعله المسلمون الأوائل في مكة إذن؟
ماذا كان يفعل الواحد منهم عندما يستيقظ من نومه ولم يكن عليه ساعتها تكاليف يؤديها أو محظورات يجتنبها؟!
_________________
(١) حياة الصحابة.
[ ١٨ ]
نعم، كان هذا هو الواقع الذي عاشه المسلمون الأوائل .. ومع عدم وجود تكاليف إلا أنه كان يتم في هذه الفترة أخطر مرحلة من مراحل بناء الفرد المسلم، وهي مرحلة تأسيس القاعدة الإيمانية، وارتداء رداء العبودية لله ﷿ .. مرحلة تعبيد المشاعر له سبحانه، لتأتي الشعائر بعد ذلك فتُحسن التعبير عن هذه المشاعر.
تقول السيدة عائشة ﵂: أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول الأمر: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، ولو نزل أول الأمر لا تشربوا الخمر لقالوا: لا نترك الخمر أبدا .. أُنزل على النبي ﷺ وأنا جارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٦]، وهي من سورة القمر، وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عنده في المدينة (١).
ويؤكد على هذا المعنى جندب بن عبد الله - ﵁ - بقوله: كنا مع النبي ﷺ فتيان حزاير (٢)، فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا (٣).
وليس معنى هذا أن نترك العبادة، أو نقول: لابد أن نفعل مثل ما فُعل مع الصحابة، فلقد اكتمل التشريع كما قال تعالي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فنحن مطالبون بأداء كل ما افترضه الله علينا، ومع ذلك فلابد من التركيز على القلب وزيادة الإيمان والعبودية لله فيه، وأن نعطي هذا القدر الكافي من الاهتمام، وبخاصة في بداية تكوين الفرد المسلم، لتصبح العبادة مؤثرة تُزيد العبودية في القلب، ومن ثَم تُقرب صاحبها إلى الله أكثر وأكثر.