إذا كان الشكل مهما وضروريا للدخول على الله ﷿ إلا أن الأهم والأهم هو مدى إظهاره معانى العبودية والتي من أجلها خُلق الإنسان.
ومما يؤكد ذلك أن الله ﷿ قد بيَّن لنا في كتابه أن المقصود الأعظم من العبادة هو زيادة عبودية القلب له سبحانه، تأمل معي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، وقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
فإراقة الدماء في الحج ليست غاية في حد ذاتها بل هي شكل من أشكال العبادة التي ينبغي أن تظهر من خلالها تقوانا لله ﷿ فما قيمة إراقتها دون أن يصاحبها زيادة في التقوى؟!
وفي الحديث أنه ﷺ قال: إنما الصلاة تَمسكُن وتواضع وتضرع وتَأوُه وتنادُم وتضع يديك فتقول: اللهم اللهم. فمن لم يفعل فهي خداج" (٣).
لابد إذن من أن يوضع الشكل - مع أهميته القصوى - في حجمه الصحيح، فوظيفته الأساسية إظهار العبودية وزيادتها في قلب العبد ..
فإن كنت في شك من هذا فتدبر معي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
فهذه الآية الجامعة قد نزلت بعد تحويل القبلة تجاه الكعبة، وما صاحب ذلك من جدل طويل من اليهود وغيرهم .. نزلت هذه الآية لتضع الأمر في حجمه الصحيح عند المسلم، وأن المقصد الأهم من العبادات هو الإيمان الذي يزيد في القلب فينعكس أثره على الأعمال.
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين، ص (١٥٣).
(٢) رسالة التعاليم، من مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا - دار التوزيع والنشر الإسلامية.
(٣) أخرجه الترمذي والنسائي بنحوه من حديث الفضل بن عباس بإسناد مضطرب. وخداج أي ناقصة.
[ ١٦ ]
ولصاحب الظلال تعليق على هذه الآية فيقول - ﵀-: إنه ليس المقصد من تحويل القبلة، ولا من شعائر العبادة على الإطلاق؛ أن يولي الناس وجوههم قِبل المشرق والمغرب .. نحو بيت المقدس أو نحو البيت الحرام .. وليست غاية البر - وهو الخير جملة - هي تلك الشعائر الظاهرة، فهي في ذاتها - مجردة عما يصاحبها في القلب من المشاعر وفي الحياة من السلوك - لا تحقق البر، ولا تُنشئ الخير .. إنما البر تصور وشعور، وأعمال وسلوك، تصور ينشئ أثره في ضمير الفرد والجماعة، وعمل ينشئ أثره في حياة الفرد والجماعة. ولا يغني عن هذه الحقيقة العميقة تولية الوجوه قِبَل المشرق والمغرب .. سواء في التوجيه إلى القبلة هذه أم تلك، أو في التسليم في الصلاة يمينًا وشمالًا، أو في سائر الحركات الظاهرة التي يزاولها الناس في الشعائر (١).