من هنا يتبين لنا أن القيمة العظمى للعبادة هي إظهارها لمعاني العبودية لله ﷿، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يجوز ابتداع شكل آخر غير الأشكال التي طالبنا الله بها وبينها لنا رسول الله ﷺ، فالطرق إلى الله كلها مسدودة إلا الطريق الذي يقف عليه محمد ﷺ.
وإليك أخي القارئ مثالًا يوضح أهمية الشكل ونسبته إلى المضمون:
عندما يذهب الواحد منا إلى مصلحة كمصلحة الأحوال المدنية ليستخرج بطاقة للأحوال الشخصية أو مستخرجًا رسميًا لشهادة الميلاد، فإنه يقدم طلبه على نموذج معد لذلك، ويستوفي الشروط المطلوبة لصحة الطلب، ثم يكتب ما يريده بعد ذلك.
فإذا قام بتقديم طلبه على ورقة أخرى غير هذا النموذج، فلن يُلتفت إلى طلبه مهما كتب فيه.
وإن قدم النموذج المطلوب واستوفى شروطه ولكنه لم يكتب فيه شيئا مما يريد، فسيُطرح طلبه جانبًا من قِبل المختصين لأنهم لم يعرفوا ماذا يريد.
إذن فالنموذج مطلوب، وملؤه بالبيانات كذلك مطلوب .. فلابد من الإثنين معًا.
كذلك العبادة بالجوارح والعبودية بالقلب.
فالعبادة مهمة جدًا كشكل ونموذج طالبنا الله ﷿ أن ندخل عليه من خلاله.
ولكن إذا اجتهدنا في تحصيل الشكل الظاهري لتلك العبادة، وبالغنا في إتقانه دون أن نملأه بمعاني العبودية، فقد ضاع تعبنا تأمل معي قوله ﷺ: "رُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُب قائم ليس له من قيامه إلا السهر" (٣).
ولو قمنا بإظهار معاني العبودية لله ﷿ ولكن بشكل مبتدع مخالف للذي ارتضاه لنا فلن يُقبل منا، وسيُرَد علينا كما قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد" (٤)، فلو أن شخصا اتجه في صلاته متعمدًا لغير القبلة وكانت صلاته خاشعة متذللة متمسكنة فلن تُقبل منه، وفي المقابل لو صلى في اتجاه القبلة، وأتى بجميع حركات الصلاة الصحيحة وقلبه غافل لاهٍ ساهٍ فما قيمة صلاته؟! ألم يقل ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم" (٥).
_________________
(١) شرح الحكم العطائية (٣:١٤٢) - دار القلم - دمشق.
(٢) شرح الحكم العطائية (٣:١٥١).
(٣) سنن ابن ماجه (١٦٨٠). قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم (٣٤٨٨) في صحيح الجامع.
(٤) صحيح البخاري (٢٤٩٩).
(٥) أخرجه مسلم (٨/ ١١).
[ ١٥ ]
يقول ابن القيم: ولا ريب أن مجرد القيام بأعمال الجوارح، من غير حضور ولا مراقبة، ولا إقبال على الله: قليل المنفعة، دنيا وأخرى، كثيرة المؤونة .. فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة، كثيرة المنظر قليلة الفائدة (١).
ويقول الإمام البنا ﵀: وعمل القلب مقدم على عمل الجارحة وتحقيق الكمال في كليهما مطلوب وإن اختلفت مرتبتا الطلب (٢).