هناك أسباب كثيرة لارتداء العبد رداء العزة والكبر، وتمرده على رداء العبودية، لعل من أهمها وأخطرها على المسلم: الشعور بالعزة والرفعة على غيره وذلك بسبب ما حباه الله من الامكانات، وبما أكرمه وهداه إلى فعل الطاعات، فينخدع بذلك، ويظن أن عنده شيئا ذاتيا يملكه ليس عند غيره، فيتكبر به ويتعاظم في نفسه فتصبح هذه الإمكانات وتلك الطاعات التي أكرمه الله بأدائها حجة عليه لا له قال ﷺ: " لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم" (٢).
بل إن صاحب الذنب المنكسر الذي يرى نفسه أقل الناس شأنا قد يكون عند الله أفضل منه.
تأمل معي - أخي القارئ - هذا الحديث: قال ﷺ: " كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنبا، والآخر مجتهدا في العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلِّني وربي، أبُعِثْت عليَّ رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقُبض روحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا، أو كنت على ما في يدي قادرًا؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار" (٣).
ويؤكد على هذا المعنى ابن عطاء الله بقوله: معصية أورثت ذلًا وانكسارًا، خيرٌ من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا.
وكذلك قال بعض السلف - كما ينقل عنهم ابن القيم-: إن العبد قد يعمل الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار. قالوا: كيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه، إن قام، وإن قعد، وإن مشى: ذكر ذنبه، فيحدث له انكسارًا، وتوبة، واستغفارًا، وندمًا، فيكون ذلك سبب نجاته.
ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه، إن قام، وإن قعد، وإن مشى، كلما ذكرها أورثته عجبًا وكبرًا ومنة، فتكون سبب هلاكه.
فيكون الذنب موجبا لترتيب طاعات، وحسنات، ومعاملات قلبية، من خوف الله، والحياء منه، والإطراق بين يديه منكسًا رأسه خجلًا، باكيًا، نادمًا، مستقيلًا ربه، وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة، وكبرًا وازدراء بالناس، ورؤيتهم بعين الاحتقار.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢٠).
(٢) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ويذهب بنفسه أي: يرتفع ويتكبر.
(٣) رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح رقم (٤٤٥٥).
[ ١٠ ]
ولا ريب أن هذا المذنب خير عند الله، وأقرب إلى النجاة والفوز من المعجب بطاعته، الصائل بها، المانّ بها وبحاله على الله ﷿ وعباده، وإن قال بلسانه خلاف ذلك، فالله شهيد عل ما في قلبه.
فإذا أراد الله بهذا العبد خيرًا ألقاه في ذنب يكسره به، ويعرفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج منه داء العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده. فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة، ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال (١).
وخلاصة القول أن الله ﷿ قد خلقنا بهذا التكوين وما فيه من ضعف وعجز وجهل واحتياج دائم ليسهل علينا أداء واجبات العبودية، ويحدث الانسجام بين ما هو مركوز في فطرتنا وبين ما ينبغي أن نقوم به من تواضع، وتذلل، وانكسار، وتضرع، وحب، وخشية، وهيبة له سبحانه، فإذا ما تمرد المرء على ارتداء رداء العبودية فإنه بذلك يخرج من كنف ربه ورعايته، وتكون له المعيشة الضنك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين، ص (١٧٠).
[ ١١ ]