الله ﷿ يريد الخير لعباده جميعًأ ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، يريد لهم دخول الجنة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
ولأن دخول الجنة مرتبط بالنجاح في اختبار العبودية؛ فقد خلق الله ﷿ الإنسان بطريقة وهيئة تعينه وتيسر له ارتداء رداء العبودية ومن ثمَّ النجاح في اختبارها، فجعل أصله من التراب ولم يجعله من معدن نفيس كالذهب والفضة، فالتراب هو أقل الأشياء وأوضعها ..
هذا التراب هو التربة التي ينمو فيها النبات فيأكل منه الإنسان، وينشأ من خلاصته المَني والذي من خلاله يتم التكاثر، ومن ثم يتكون الجنين الذي يصبح بعد ذلك ذكرًا أو أنثى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر:١١].
ولو نظر أحدنا إلى المنيّ واشتم رائحته لأعرض عنه ولعافه ولتقززت نفسه منه، وصدق الله العظيم: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠].
هذا الأصل الحقير للإنسان من شانه أن يساعده على الاتصاف بصفة العبودية، فابن التراب والماء المهين ليس له أن يتكبر أو يتعالى أو يرفع رأسه أمام سيده وخالقه.
نظر مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى المهلَّب بن أبي صُفرة وعليه حُلة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال: يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلَّب أما تعرفني؟ فقال: بل أعرفك: أولك نطفة مَذِرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة (١).
ومع هذا الأصل الحقير؛ كان الحجم الصغير الذي ينسجم مع كونه عبدا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].
فلو كان الإنسان طويلًا .. أطول من الجبال والأشجار، لكان ذلك مدعاة لعلوه وتكبره: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧].