بهذا كله وُجدت - في الأرض وفي دنيا الناس - حقيقة أخرى .. " حقيقة الربانية " متمثلة في ناس من البشر. وُجد " الربانيون " الموصولون بالله العائشون بالله ولله .. الذين ليس في قلوبهم وليس في حياتهم إلا الله، الذين فرغت قلوبهم من حظ أنفسهم، ولم يعد لهم حظ إلا في الله، ولله.
وُجدت حقيقة " الربانية " هذه في الناس، حينما وُجدت حقيقة الألوهية بصورتها في عالم الناس. حينما وُجدت بهذه القوة، وبهذا الوضوح، وبهذا العمق وبهذا الشمول، وبهذه الإحاطة التي تحجب كل وجود غيرها، وتكشف كل مؤثر سواها، وترد الأمر كله - كما هو في حقيقته - لله.
[ ٣٧ ]
وحينما وُجدت حقيقة " الربانية " هذه في دنيا الناس، ووجد " الربانيون " الذين هم الترجمة الحية لهذه الحقيقة .. حينئذ انساحت الحواجز الأرضية، والمقررات الأرضية، والمألوفات الأرضية .. ودبت هذه الحقيقة على الأرض، حرة من الحواجز .. حرة من المقررات .. حرة من المألوفات، وصنع الله ما صنع في الأرض، وفي حياة الناس، بتلك الحفنة من العباد، الذين تمثلت فيهم تلك الحقيقة الكبيرة، التي ليس ورائها حقيقة إلا ما اتصل بها واستُمد منها فأصبح له وجود مؤثر في هذا الوجود.
وبطلت الحواجز التي اعتاد عليها الناس أن يروها تقف في وجه الجهد البشري وتحدد مداه.
وبطلت المألوفات التي يقيس بها الناس الأحداث والأشياء .. بطلت المقررات التي كان الناس يحكمونها في الأوضاع والأحداث. وثبتت هذه القيمة الجديدة - في عالم الواقع - لأنها وحدها القيمة ذات الوجود الحقيقي الكبير!
ووُجد الواقع الإسلامي الجديد .. وولد معه الإنسان الحقيقي الجديد (١).
_________________
(١) مقومات التصور الإسلامي ص (١٩٣ - ١٩٤).
[ ٣٨ ]