والمثال الآخر الذي يدل على الإهتمام بالشكل دون المضمون: هيئة المساجد: فالمساجد هي بيوت الله، ومِن ثَمَّ فينبغي لمن يدخلها من العباد ويصلي فيها لله أن يُظهر استكانته، وخضوعه وذله لصاحب البيت الذي هو ربه وولي نعمته.
هذه الحالة ينبغي أن تنسجم معها هيئة تلك المساجد، لكن الحادث غير ذلك، فقد بالغ الناس في زخرفتها، وفرشها، وإضاءتها وتزيينها، يقول أبو الدرداء: إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم (٥).
فزخرفة المساجد تعكس انشغال الناس عن حقيقة العبودية واهتمامهم بالشكل دون المضمون مما يعرضهم إلى مقت الله ﷿، ومما يؤكد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد في الزهد عن أبي حصين قال: كان يقال: إذا ساء عمل أمة زينوا مساجدهم (٦).
فتزيين المساجد عمل سهل يقدر عليه الجميع، ويظنون من خلال قيامهم به أنهم يخدمون الدين ويؤدون حقه عليهم، ومن ثَم فلا عليهم بعد ذلك ملامة فيما يقصرون فيه.
يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀: إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي، تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي، فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، لكن الناس لما أعياهم بناء النفوس على الأخلاق الجليلة استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة التي تضم مصلين أقزاما!!!
_________________
(١) رواه الترمذي والحاكم وابن حبان وغيرهما مرفوعا، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٩٤).
(٢) رواه البزار.
(٣) رواه مسلم.
(٤) صيد الخاطر لابن الجوزي، ص (٥٥٢).
(٥) فضائل القرآن للفرياني، ص (٢٤٨) - مكتبة الرشد - الرياض.
(٦) الزهد للإمام أحمد، ص (٨٦).
[ ٢٠ ]
أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية النفوس وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام (١).
_________________
(١) فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص (١٧٨) بتصرف يسير - دار القلم - دمشق.
[ ٢١ ]