معنى ذلك أن خير أوقات المرء هي تلك الأوقات التي يحدث فيها سلام داخلي بين جوهر حقيقته كعبد وبين ما يعيشه من معاني العبودية ..
يقول ابن عطاء: خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك، وترد فيه إلى وجود ذلتك.
وفي نفس المعنى يقول ابن تيمية: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.
فبالعبودية يدخل المرء جنة الدنيا ونعيمها الذي لا يشبهه أي نعيم آخر.
يقول ابن القيم: فمحبة الله تعالى، ومعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته، وإرادته، هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وقرة عين المحبين، وحياة العارفين.
ويحكي عن شيخه - ابن تيمية - أنه قال مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أني رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
ويستطرد ابن القيم قائلا: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.
فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم والمسابقة إليها (٢).
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين، ص (٥٦٦، ٥٦٧).
(٢) الوابل الصيب، ص (٩٦ - ٩٨) بتصرف - مكتبة المؤيد - الرياض.
[ ٨ ]
وفي كتابه - مقومات التصور الإسلامي - يؤكد سيد قطب - ﵀ - على هذا المعنى فيقول: إن الطمأنينة إلى الله، بعد معرفته بصفاته كما يعرضها القرآن، لا تعدلها طمأنينة، ولا يعدلها شيء من أشياء هذه الدنيا، وإنه لتمر بالإنسان أحداث ولحظات يشعر فيها بقيمة هذه المعرفة شعورًا كاملًا واضحًا عميقًا، ولكنه قد ينسى أو يغفل حتى تذكره تلك اللحظات والأحداث! وإن الرضا والأنس والبشاشة والتوجه والطمأنينة والثقة والراحة التي تسكبها تلك المعرفة لأمور تذاق ولا توصف، وأقرب ما يصورها المنهج القرآني في مثل تلك الإشارات:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].