وغاية معرفة الله ﷿ في الدنيا هي الحضور القلبي الدائم معه، أو بمعنى آخر: أن نتعامل معه - سبحانه - ونعبده كأننا نراه، فنناجيه من قريب، ونتحدث معه كأننا نشاهده
أن نستشعر دوما قربه منا، فنأنس به ونكثر من مناجاته.
أن نجده دائمًا يتجلى بصفاته وراء كل حدث من أحداث حياتنا، فنربط أمورنا كلها به، مثل ما قال يوسف - ﵇ - لأبويه وهو يخبرهم عما حدث له: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠].
مع أن ظاهر الأمر أن ملك مصر هو الذي أمر بإخراجه من السجن، لكنه يرى الأمور على حقيقتها، وأن الله هو الذي أخرجه، وما الملك إلا ستار للقدر، وجندي ينفذ الأمر الإلهي
_________________
(١) استنشاق نسيم الأنس للحافظ ابن رجب، ص (٥٠).
[ ٢٤ ]
يقول ابن رجب: الوصول إلى الله نوعان: أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة. فأما الوصول الدنيوي فالمراد به: أن القلوب تصل إلى معرفته، فإذا عرفته أحبته وأنست به، فوجدته منها قريبًا، ولدعائهًا مجيبًا، كما في بعض الآثار: ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيئ وإن فتك فاتك كل شيء.
وأما الوصول الأخروي فالدخول إلى الجنة التي هي دار كرامة الله لأوليائه، ولكنهم في درجاتهم متفاوتون في القرب بحسب تفاوت قلوبهم في الدنيا في القرب والمشاهدة (١).
أي أن الوصول الدنيوي يمثله قول رسول الله ﷺ: "أن تعبد الله كأنك تراه"، أما الأخروي- في الجنة- ففيها الرؤية الحقيقية والقرب والمشاهدة.