إذن فالعبادة التي نؤديها بالجوارح ما هي إلا شكل ووعاء علينا أن نُظهر من خلاله معاني العبودية لله ﷿ من ذل وانكسار وافتقار، وحب وخوف ورجاء، وخضوع واستكانة.
فالصلاة بالهيئة التي طالبنا الله بها علينا أن تُظهر من خلالها التواضع والانكسار والذل والخضوع له سبحانه. . . تأمل معي هيئة السجود وما فيها من معاني الذل والخضوع قال ﷺ: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء " (٢).
أما الزكاة والصدقة فهي عبادات تُظهر مدى حبنا لله ﷿ ومدى انتصار هذا الحب على حب المال الذي تعشقه النفس.
والصوم عبادة تُظهر مدى تضحيتنا وحبنا لله ﷿ أكثر من حبنا للطعام والشراب .. أما الحج فيظهر مدى استسلامنا، وانقيادنا لأمره سبحانه.
والذكر كذلك: فالتسبيح يعبر عن تعظيم الله وتنزيهه، والاستغفار يُعبر عن الشعور بالتقصير في جنبه سبحانه، والحوقلة تُظهر الإفتقار والمسكنة إليه وهكذا.
فالعبادات إذن ما هي إلا منظومة تُظهر معاني العبودية لله ﷿.
ولكي تؤدي هذه العبادات دورها في إظهار العبودية، لا بد من حضور القلب وتفاعله معها .. حضور مشاعر الحب والخوف والرجاء، ليزداد خلالها خشوعه وخضوعه لله ﷿ كما قال تعالى واصفا عباده الصالحين: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩].
_________________
(١) الزهد للإمام أحمد، ص (٤٢) - دار الكتب العلمية - بيروت.
(٢) رواه مسلم (٢: ٤٩ - ٥٠).
[ ١٤ ]
يقول د. محمد سعيد رمضان البوطي: العبادة هي الوظائف البدنية التي كلف الله عباده بها، من صلاة وصيام وحج وغيرها من العبادات. أما العبودية فهي الذل الذي يهيمن على كيان الإنسان ومشاعره لخالقه، فيقوده إلى تعظيمه ومهابته، وإلى الالتجاء الدائم إليه بالاستغفار والدعاء والرجاء، ومن ثم فهو لا يدين بالولاء والتعظيم لأي كائن غيره.
وعلاقة ما بين العبادة والعبودية أن العبادة وعاء للعبودية، ومن ثَمَّ فإن قيمة العبادة تكمن في القدر الذي تنطوي عليه من معنى العبودية. ذلك لأن الذي يقرب العبد إلى الله تحققه بمعنى العبودية له، وإنما شُرعت العبادات وسيلة لذلك (١).
ويقول كذلك: ثم اعلم أن للطاعات والقربات المتنوعة التي شرعها الله وأمر بها، ثمرة واحدة لا ثانية لها، وهي سر قبول الله لها وإثابته عليها، ألا وهي ثمرة الافتقار إلى الله والتوجه إليه بذل العبودية والضراعة والانكسار.
بل المطلوب من الإنسان أن يكون في كل أحواله وتقلباته مستشعرًا حقيقة الافتقار إلى الله متصفًا بذل العبودية لله، ملتصقًا بأعتاب جوده وكرمه، وما شُرعت العبادات والطاعات إلا لتكون تذكرة لهذا المطلوب، وترسيخًا لمشاعر العبودية لله والافتقار إليه في نفس الإنسان (٢).