إن غاية المعرفة أن نجد الله ﷿ .. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠].
نجد صفاته العلى تتجلى في أحداث حياتنا.
نجده قريبًا فنأنس به ونناجيه.
نجده حكيمًا في كل مشيئة يشاؤها لنا فنرضى بقضائه.
نجده سريع الحساب يعاقب على الذنب ويعفو عن كثير، فنسارع بالتوبة إليه كلما وقعنا في الخطأ.
نجده لطيفًا في قدره.
نجده سميعًا قريبًا يجيب دعاءنا في دقائق الأمور وتفصيلاتها التي دعوناه بها ولم يعرفها سواه فنشعر بالأمان في جواره.
نجده قهارًا ينفذ مشيئته فنستسلم له.
نجده قادرًا مقتدرًا فنستعين به دومًا على تنفيذ كل ما نريد.
نجده حليمًا ستيرًا فنحبه ونستحي منه.
نجده معنا في كل وقت وحين، فنكلمه ونبث إليه أشواقنا، ونُسِرُّ إليه بخصوصياتنا.
نجده حين نأكل، وحين نشرب، وحين ننام، وحين نستيقظ، وحين نركب دوابنا، فهو الذي يطعمنا ويسقينا، وهو الذي يتوفانا حين النوم ويوقظنا، وهو الذي يحملنا ويسيرنا في البر والبحر والجو ﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
تأمل معي أخي القارئ هذا الحديث النبوي: قال ﷺ: "ما من بعير إلا وفي ذروته شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا نعمة الله تعالى عليكم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله تعالى" (٢).
فما الدابة التي نركبها إلا ستار وسبب لا قيمة له بدون الله ﷿، فهو سبحانه الذي سخرها لنا، وهو الذي يحركها لحظة بلحظة، وآنًا بآن، وكذلك كل شيء يحدث في هذه الحياة معنا أو مع غيرنا.
فعندما نضحك نجده من وراء الضحك حيًا قيومًا قد علم برغبتنا في الضحك فمكننا من ذلك: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣].
وعندما نأكل: نستشعر ربوبيته وقيوميته علينا فنقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة.
وعندما يأتينا عطاء من أحد الناس نرى أن الله ﷿ هو الذي أعطانا إياه من خلال هذا الشخص، وعندما نُحرم من شيء، أو يُضيَّق علينا البعض نرى الحقيقة واضحة أمامنا وهي أن الله هو الذي حرمنا على يد هؤلاء بسبب ذنب أذنبناه أو لحكمة يعلمها سبحانه.
نجد الله في كل خير نفعله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان:٥٨]، ولو شاء منعه لمنعه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء:٨٦].
نجد الله الهادي في كل طاعة نقوم بها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء:٧٣].
_________________
(١) المحجة في سير الدلجة للحافظ ابن رجب، ص (٨٠).
(٢) حسن، رواه الإمام أحمد والحاكم، وأورده الألباني في صحيح الجامع (٥٦٩٩).
[ ٢٥ ]
نجد الله عند المريض يشمله بعطفه وحنانه ورعايته الخاصة.
جاء في الحديث القدسي أن الله ﷿ يقول يوم القيامة: " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت إن عبدي فلان مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ " (١).
وبالجملة نرى الله وراء كل حدث يحدث في الحياة عند هبوب الريح، وعند طلوع الشمس وعند غروبها .. عند نزول المطر .. عند الكسوف والخسوف ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤].
كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم ذو ريح وغيم عُرف ذلك في وجهه ﷺ فأقبل وأدبر، فإذا مُطرت سُرِّي عنه، وذهب عنه ذلك، فسألته عائشة - ﵂ - في ذلك فقال: "إني خشيت أن يكون عذابا سُلِّط على أمتي" (٢).
وكان أحد الصالحين إذا ذهب إلى المسجد ليلقي درسه، وجد جموعًا غفيرة من الناس تنتظره فيناجي الله ويقول: اللهم إنك تعلم أنهم يقصدونك أنت، ولكنهم وجدوني عندك.