أودع الله ﷿ في عقل الإنسان إمكانات هائلة تمكنه من القيام بالمهمة التي خُلق من أجلها، ومما يؤكد على وجود هذه الإمكانات تلك الاختراعات التي اخترعها العقل البشري في شتى المجالات مما أفاد البشرية كثيرًا، ويسَّر على الناس سبل الحياة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أننا لو أحسنا استخدام عقولنا في اتجاه معرفة الخالق ﷾ لارتفعنا إلى آفاق عُلا، ولتمكنا - بإذن الله - من عبادته وكأننا نراه ..
فإن قلت: وكيف لنا أن نستخدم عقولنا في معرفة الله، وبخاصة أنه لا يمكن لأحد من الخلق أن يحيط به علما؟!
نعم، الله ﷿ لا يمكن لأحد أن يحيط به علمًا، فلا يعرف الله إلا الله: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، وكما في الحديث: "لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وفي الوقت نفسه فإن معاملة الله بما يليق بجلاله، وإظهار صورة العبودية الحقة له لن تتم إلا من خلال معرفته ..
فكيف يستطيع العبد معرفة ربه وهو لا يراه، ولا يحيط به علمًا؟!
لابد أن تكون هناك سُبل لمعرفته سبحانه وإلا لما استطعنا القيام بحقوق العبودية ..
[ ٣٠ ]
لابد أن يكون الله ﷿ قد أتاح لنا طرقًا ووسائل نتعرف عليه من خلالها، ولم لا وهو الرءوف الرحيم الذي يريد بعباده الخير: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
نعم، لقد أتاح الله ﷿ لعباده جزءًا من المعلومات عنه ﷾ لكي يتمكنوا من معرفته بالدرجة التي تتحملها عقولهم، ومن ثَمَّ يتمكنون من عبادته كما أمرهم، ولقد أودع - سبحانه - هذه المعلومات في كونه ومخلوقاته: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣].
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدًا شاهد وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
فكل ما يحدث في الحياة، وكل مخلوق من مخلوقات الله يُعد بمثابة آية ودليل على الله، وما على البشر إلا أن يستخدموا عقولهم، ويتعرفوا على ربهم من خلال التفكر في تلك المخلوقات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤].
ارأيت أخي القارئ بماذا ختمت الآية: ﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: لآيات ودلائل ورسائل تعريف بالله لمن يستخدمون عقولهم في التفكير في هذه المخلوقات.
فالحكمة الأساسية من خلق العقل بما يحتويه من إمكانات جبارة هي استخدامه في التعرف على الله، وذلك من خلال التفكر في مخلوقاته، وقراءة ما تحتويه من رسائل تعريف بالله ﷿: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (﴾ [الروم:٢٤].