فإن قلت: وما هي الوسائل التي يمكنها أن تفعل ذلك وتصل بنا إلى هذه الآفاق؟!
كيف يمكن للإنسان أن يتعرف على ربه معرفة يقينية تؤثر في المشاعر بالرغم من أنه لا يراه، ولن يمكنه أن يراه في حياته الدنيا؟!
نعم، الله ﷿ لا تدركه الأبصار، ولا يمكن لأحد من البشر أن يراه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وفي الوقت نفسه فإنه يتحتم على العبد أن يعرف ربه لكي يعبده عبادة صحيحة، تليق به ﷾ .. فما السبيل إلى ذلك؟!
السبيل إلى معرفة الله ﷿ هو استخدام النعمة العظيمة التي أكرم الله بها الإنسان واختصه بها، ألا وهي نعمة العقل .. هذا العقل به من الإمكانات والقدرات ما لا يمكن تصوره، والتي يستطيع الإنسان - أي إنسان - حين يستخدمها أن يصل إلى معرفة الله ﷿ لدرجة لم يصل إليها مخلوق من قبل.
هذه المعرفة تمكنه من معاملته وعبادته سبحانه كأنه يراه.
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير .. انظر مجمع الزوائد (١/ ٢٢٠).
(٢) رواه البزار عن أنس بن مالك .. انظر المصدر السابق.
(٣) استنشاق نسيم الأنس، ص (٩٨).
[ ٢٩ ]
وليس أدل على أن العقل هو مفتاح المعرفة، وأنه من خلاله يمكن للمرء الوصول إلى معرفة الله لدرجة لم يصل إليها مخلوق قط؛ ما حدث في قصة آدم - ﵇ - وإخباره ﷾ للملائكة أنه سيخلق مخلوقًا جديدًا يعبده بالغيب في الأرض، فماذا قالوا له: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]. فكان الجواب من الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]. ثم كان البيان العملي الذي ظهرت من خلاله القدرات العقلية لهذا المخلوق: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٣].
إن الوظيفة الأساسية للعقل هي استخدامه في معرفة الله ﷿ ومن ثَمَّ عبادته.
والمتدبر للقرآن الكريم يجد فيه الكثير من الآيات التي تحث القارئ على استخدام عقله للاستدلال على وجود الله وعلى أسمائه وصفاته كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون:٨٠]، وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، بل ويؤكد علينا أن من لا يستخدم عقله فيما خُلق من أجله فقد هوى وأصبح من أشر الدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢].
ويذكرنا بأن أهل النار سيتأكدون من هذه الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠].