والعاشر: الاستقامة على السنة والجماعة. لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام].
أخي: تلك هي دنيا (الورع!) حُلُولها سرور .. وديارها حُبُور .. صاحبها مُسَوَّد .. وعند العالمين ممجَّد ..
أخي المسلم: ذاك هو (الورع!) بضاعة ربحها مضمون .. وصاحبها غير مُغْبُون .. فهل أنت أخي طالب لربحها؟ ! أمن أنت من الساعين لنيل نُجْحها؟ !
أخي: ذاك هو الورع كما عرفته! ليس بلبس الغليظ! ولا بهجر طيب الطعام! وإنما هو صدقٌ في النيات .. وطلب لرفيع الدرجات .. ورفض لخوارم المروءات .. وطلب للباقيات الصالحات .. وإنما تعددت أنواعه بتعدد الهمم والكمالات .. ولا غرابة أخي في ذلك، ومتى كان الناس مستوين في أمر من الأمور؟ !
أخي في الله: وستدرك ما قلته لك عندما تقف على تلك البدائع النفيسة من ورع الصالحين، فأنت يومها أخي كأنك في عالم الأحلام إذ إنك سترى عجائب من الورع لا يطيقها إلا أرباب الهمم العاليات .. ولا يدرك ذراها إلا أهل المقاصد الزاكيات ..
أخي: قف .. ثم قف .. هنالك في دنيا أهل الورع تحيا معهم حياة الزاهدين .. وتستروح أريج الصالحين ..
أخي: نبينا - ﷺ - لا ريب هو سيد الوُرَعاء .. وإمام الأتقياء .. فخذ أخي حقائق الورع من هديه - ﷺ - تفز إن شاء الله ..
* عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه. فقال رسول الله - ﷺ -: «كخ كخ ارم بها أما
[ ١٢ ]
علمت أنا لا نأكل الصدقة!» رواه البخاري ومسلم.
وتأمل معي أخي أيضًا هذا الورع العجيب! فها هو - ﷺ - يخبر عن نفسه: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها!» رواه البخاري ومسلم.
أخي: ذاك هو سيد الورعين - ﷺ -، وعلى دربه سار أصحابه الأطهار - ﵃ - ..
* فهذا ميمون النقيبة .. وأفضل الأمة بعد نبيها - ﷺ - الصديق أبو بكر - ﵁ - تحكي لنا ابنته أم المؤمنين عائشة ﵂ أعجوبة من ورعه - ﵁ - قالت: (كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر. فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ ! فقال أبو بكر: وما هو؟ ! قال: كنتُ تكهنتُ لإنسان في الجاهلية! وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أطلت منه! فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه!) رواه البخاري.
أخي المسلم: ولقد سار الصالحون على هذا الطريق فكانوا ﵏ مشاعل تضيء للسالكين .. وشموع تتراءى للمبصرين ..
* وهذا هو الخليفة الزاهد .. الصالح .. عمر بن عبد العزيز ﵀ كان نادرة في الورع! .. أمر مرة غلامه أن يسخن له ماء، فانطلق الغلام وسخن الماء في مطبخ العامة، فأمره عمر أن يأخذ بدرهم حطبًا يضعه في المطبخ!
وكان ﵀ يُسْرَجُ عليه الشمعة إذا كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها! ثم أُسْرجَ عليه سراجه!
[ ١٣ ]
* وإليك أخي هذه النادرة الفريدة من ورع إبراهيم بن أدهم ﵀: جاء عنه أنه استأجر دابة إلى عمان، فبينما هو يسير إذ سقط سوطه، فنزل عن الدابة وربطها! وذهب راجلًا فأخذ السَّوط!
فقيل له: لو حولت رأس دابتك فأخذت السوط؟ !
فقال: إنما استأجرتها لتذهب ولم أستأجرها لترجع! !
* وإليك أخي أيضًا هذه النادرة للإمام ابن المبارك ﵀: يروون عنه أنه كان بالشام يكتب الحديث فانكسر قلمه فاستعار قلمًا، فلما فرغ من الكتابة نسي فجعل القلم في مقلمته، فلما رجع إلى مرو ورأى القلم عرفه، فتجهَّز للخروج إلى الشام لرد القلم! !
* وجاء عن الحجاج بن دينار ﵀: أنه بعث طعامًا إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه. فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة فوجدتُّ الطعام مُبَغَّضًا فحبسته، فزاد الطعام فازددت فيه كذا وكذا! فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وعملت بخلاف ما أمرناك به! فإذا أتاك كتابي فتصدق بجميع ثمن ذلك الطعام على فقراء البصرة! فليتني أسلم إذا فعلت ذلك.
* ويحكون من ورع عثمان بن زائدة ﵀: أنه ذات مرة انطفأ سراجه، فذهب غلامه فأخذ له نارًا من قوم. فقال له عثمان: من أين هذا؟ ! فسمَّى له موضعًا، فأطفأ عثمان السراج! وقال: لا نستضيء بنارهم! !
* ويروون عن كهمس ﵀: أنه سقط منه دينار، ففتش فلقيه، فلم يأخذه وقال: لعله غيره! !
* وجاء عن أبي عبد الله الطوسي ﵀: أنه كان له شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها! وهو يصلي!
[ ١٤ ]