فيا طالب العلم! بارك الله فيك وفي علمك؛ اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف.
ولا تكن خراجًا ولاجًا في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجًا، والمسلمون جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام.
وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهابًا بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغلية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها.
_________________
(١) - معجم التراكيب (ص٢٨٠) .
(٢) - وذكره الحافظ ابن رجب في "فضل علم السلف على الخلف".
(٣) - انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٤١-٣٤٤، ٤١٥-٤١٦، ٤١٩فهو مهم و٤/٤٦-١٥٤ مهم أيضا و١١/٥١٢، ٥١٤، ٥١٥و ٣/٣٤٢، ٤١٦- ٤٢١فهرسها و٣٦/١٧٩ - ١٨٠و ٣٧/٢٨) .
[ ٢٠٢ ]
فكن طالب علم على الجادة؛ تقفو الأثر، وتتبع السنن، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفًا لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم.
وإن الحزبية (١) ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغواشي.
فاحذر رحمك الله أحزابًا وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب؛ تجمع الماء كدرًا، وتفرقه هدرًا؛ إلا من رحمه ربك، فصار على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة أهل العبودية (٢):
"العلامة الثانية: قوله: "ولم ينسبوا إلى اسم"؛ أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلامًا لأهل الطريق.
وأيضًا؛ فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيعرفون به دون غيره من الأعمال؛ فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة.
وأما العبودية المطلقة؛ فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها؛ فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم ولا إشارة، ولا اسم ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي، بل إن سئل عن شيخه؟ قال:
الرسول. وعن طريقه؟ قال: الأتباع. وعن خرقته؟ قال: لباس التقوى. وعن مذهبه؟ قال: تحكيم السنة. وعن مقصده ومطلبه؟ قال: (يريدون وجهه) . وعن رباطه وعن خانكاه؟ قال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له
_________________
(١) - وفي حكم الانتماء لرقمه فوائد زوائد
(٢) -"مدارج السالكين" (٣/١٧٢) .
[ ٢٠٣ ]
فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) . وعن نسبه؟ قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم
وعن مأكله ومشربه؟ قال: "مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، حتى تلقى ربها".
واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت
ساعاته بين ذل العجز والكسل
والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد
ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل
ثم قال: "قوله""أولئك ذخائر الله حيث كانوا"؛ ذخائر الملك: ما يخبأ عنده، ويذخره لمهماته، ولا يبذله لكل أحد؛ وكذلك ذخيرة الرجل: ما يذخره لحوائجه ومهماته. وهؤلاء؛ لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي؛ كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة.
وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات؛ فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة.
هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله، وهم لا يشعرون.
والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة، والسير إلى الله، وهم - إلا الواحد بعد الواحد - المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود.
وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم له سوى "السنة".
يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها.
[ ٢٠٤ ]
فمن الناس من يتقيد بلباس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشى غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه.
فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصددون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأضحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعًا له عن الطريق فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عد ذلك فضولًا وشرًا وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غيرًا عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة.
والله أعلم.