من وراء الفقه: التفقه، ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية.
وفي حديث ابن مسعود (٢) ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
قال ابن خير (٣) رحمه الله تعالى في فقه الحديث:
"وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريق التفهم وفي ضمنه بيان وجوب التفقه، والبحث على معاني الحديث واستخراج المكنون من سره" أهـ.
وللشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى، في ذلك القدح المعلى، ومن نظر في كتب هذين الإمامين، سلك به النظر فيها إلى التفقه طريقًا مستقيمًا.
_________________
(١) - شرح الإحياء (١/٩٣) .
(٢) - رواه أحمد (٤١٥٧) والترمذي (١٠/١٢٤) وابن ماجه (١/٨٥) بسند صحيح وهو حديث متواتر.
(٣) - (١) في فهرسته" (ص٩) .
[ ١٧٨ ]
ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه (١):
"أما بعد، فقد كنا في مجلس التفقه في الدين والنظر في مدارك الأحكام المشروعة، تصويرًا، وتقريرًا وتأصيلا، وتفصيلًا، فوقع الكلام في فأقول لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا مبنى على أصل وفصلين "
واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه: (التفكر) (٢)، فإن الله ﷾ دعا عباده في غير آية من كتابه إلى التحرك بإحالة النظر العميق في (التفكر) في ملكوت السماوات والأرض وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه، وما حوله، فتحًا للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام، والانتصار العلمي: "كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون"، "قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون".
وعليه فإن "التفقه" أبعد مدى من (التفكر) إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا".
لكن هذا التفقه محجوز بالرهان محجور عن التشهي والهوى:
"ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير".
فيا أيها الطالب! تحل بالنظر والتفكر، والفقه والتفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيه البدن كما في اصطلاح المحدثين (٣) .
_________________
(١) - مجموع الفتاوى" (٢١/٥٣٤) .
(٢) -"مفتاح دار السعادة" (ص١٩٦-٣٢٤) و"مدارج السالكين" (١/١٤٦)، والتفسير الإسلامي للتاريخ "لعماد الدين خليل (ص٢١٠-٢١٥) .
(٣) - وانظر عن قولهم: "فقيه البدن"، "معالم الإيمان" (٢/٣٣٦، ٣٤٠) والثقات "لابن حبان (٩/٢٤٢) .
[ ١٧٩ ]
فأجل النظر عند الواردات بتخريج الفروع على الأصول، وتمام العناية بالقواعد والضوابط.
وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المطردة، كقواعد المصالح، ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع.
وهكذا هديت لرشدك أبدًا فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق وعليك بالتفقه كما أسلفت - في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحول التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة، فإن خلا فهمك من هذا أو نبا سمعك فإن وقتك ضائع وإن اسم الجهل عليك لواقع.
وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التميز الدقيق والمعيار الصحيح لمدى التحصيل والقدرة على التخريج: فالفقيه هو من تعرض له النازلة لا نص فيها فيقتبس لها حكمًا.
والبلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسرى بصيرته البلاغية من كتاب الله، مثلا فيخرج من مكنون علومه وجوهها وإن كتب أو خطب؛ نظم لك عقدها.
وهكذا في العلوم كافة.