أصل الأصول في هذه "الحلية" بل ولكل أمر مطلوب علمك بأن العلم عبادة، قال بعض العلماء: "العلم صلاة السر، وعبادة القلب".
وعليه، فإن شرط العبادة إخلاص النية لله ﷾، لقوله:
(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) الآية.
وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات) الحديث.
فإن فقد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحط المخالفات، ولا شئ يحطم العلم مثل: الرياء؛ رياء شرك، أو رياء إخلاص (٢)، ومثل التسميع؛ بأن يقول مسمعًا: علمت وحفظت
_________________
(١) - "فتاوى ابن تيميه"" (١٠ / ١١، ١٢، ١٤، ١٥، ٤٩ - ٥٤، ١١ / ٣١٤ و٢٠ / ٧٧ - ٧٨) .
(٢) -"الذخيرة" للقرافي (١ / ٤٥) .
[ ١٤١ ]
وعليه؛ فالتزم التخلص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلمًا لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية، أفسدتها، وذهبت بركة العلم، ولهذا يتعين عليك أن تحمى نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمى الحمى.
وللعلماء في هذا أقوال ومواقف بينت طرفًا منها في المبحث الأول من كتاب "التعالم"، ويزاد عليه نهى العلماء عن "الطبوليات"، وهى المسائل التي يراد بها الشهرة.
وقد قيل: "زلة العالم مضروب لها الطبل" (١) .
وعن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال:
"كنت أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة، سلبته" (٢) .
فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون - مع بذل الجهد في الإخلاص - شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه.
ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: "ما عالجت شيئًا أشد على من نيتي".
وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده "يا أبي! مالك إذا وعظت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بنى! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة (٣) .
_________________
(١) - "الصوارم والأسنة" لأبى مدين الشنقيطي السلفي رحمه الله تعالى. وانظر: "شرح الأحياء"، وعنه "كنوز الأجداد" (ص٢٦٣) .
(٢) -"تذكرة السامع والمتكلم" (ص١٩) .
(٣) -"العقد الفريد" لابن عبد ربه.
[ ١٤٢ ]
وفقك الله لرشدك آمين.
الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة ومحبة الله تعالى ومحبة رسوله ﷺ وتحقيقها بتمحض المتابعة وقفوا الأسر للمعصوم.
قال الله تعالى:
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) .
وبالجملة؛ فهذا أصل هذه "الحلية"، ويقعان منها موقع التاج من الحلة.
فيا أيها الطلاب! هاأنتم هؤلاء تربعتم للدرس، وتعلقتم بأنفس علق (طلب العلم)، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، فهي العدة، وهى مهبط الفضائل، ومتنزل المحامد، وهى مبعث القوة، ومعراج السمو، والرابط الوثيق على القلوب عن الفتن، فلا تفرطوا.