هُوَ عَلَمُ الحَدِيثِ وَنَادرَةُ الزَّمَانِ الْعَلاَّمَةُ الحَافِظُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيّ ٠
وُلِدَ سَنَةَ ٢٤٩ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٣٢ هـ ٠
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ﵀: ««وعُقْدَةُ»: لَقَبُ أَبِيهِ النَّحْوِيِّ الْبَارِع: محَمَّدُ بْنُ سَعِيد؛ وَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِتَعْقِيدِهِ في التَّصْرِيف، وَهُوَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَاملين» ٠
قَالَ الدَّارَقُطْنيّ: «كَانَ أَبُوهُ عُقْدَةَ أَنحَى النَّاس» ٠
[ ٧٨٩ ]
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
سَمِعَ مِنْ عَبْد المَلِكِ بْن محَمَّدٍ الرَّقَاشِيّ، وَأَبي بَكْرٍ بْنِ أَبي الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ بْن أَبي بَكْرٍ بْنِ أَبي شَيْبَة، وَأَحْمَد بْن أَبي خَيْثَمَة، وَإِسْحَاقَ بْن إِبْرَاهِيمَ الْعُقَيْلِيّ، وَمحَمَّد بْن أَحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ الْقَطَوَانيّ، وَأَحْمَد بْن يَحْيىَ الصُّوفِيّ، وَإِبْرَاهِيم بْن عَبْدِ اللهِ الْقَصَّار، وَالحَسَن بْن جَعْفَر بْنِ مِدْرَار، وَالحَسَن بْن عُتْبَةَ الْكِنْدِيّ، وَمحَمَّد بْن سَعِيدٍ الْعَوْفِيّ، وَأَبي الأَحْوَصِ الْعُكْبَرِيّ، وَأُمَمٍ سِوَاهِمْ ٠
[ ٧٩٠ ]
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
رَوَى عَنهُ الإِمَامُ الطَّبَرَانيّ، وَالحَافِظُ ابْنُ عَدِيّ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ الجِعَابيّ، وَابْنُ المُظَفَّر، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَابْنُ المُقْرِئ، وَابْنُ شَاهِين، وَعُمَر بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَتَّاني، وَأَبُو عُبَيْدٍ اللهِ المَرْزُبَانيّ، وَابْن جُمَيْعٍ الْغَسَّانيّ، وَأَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيّ، وَخَلاَئِقُ غَيرُهُمْ، وَكَانَ يُوَرِّقُ بِالْكُوفَةِ وَيُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَالأَدَب ٠
[ ٧٩١ ]
ـ قَالُواْ عَنْ كَثْرَةِ مَا دَوَِّنَهُ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآثَار:
قَالَ الصُّورِيّ: وَقَالَ لي أَبُو سَعْدٍ المَالِينيُّ:
أَرَادَ ابْنُ عُقْدَة أَنْ يَنْتقلَ، فَاسْتَأْجَرَ مَنْ يحْمِلُ كُتُبَه، وَشَارط الَحمَّالين أَنْ يَدْفَعَ إِلىَ كُلِّ وَاحِدٍ دَانِقًَا [الدَّانِقُ: سُدْسُ الدِّرْهَم]؛ فَوَزَن لَهُمْ أُجُورَهُمْ مِاْئَةَ دِرْهَم، وَكَانَتْ كُتُبُهُ سِتَّمِاْئَةِ حَمْلَة» ٠
قَالَ عَنهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: «جَمَعَ التَّرَاجِمَ وَالأَبْوَابَ وَانْتَشَرَ حَدِيثُهُ وَبَعُدَ صِيتُهُ، وَكَتَبَ عَنْ كُلِّ مَنْ دَبَّ وَدَرَجَ مِنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالمجَاهِيل، جَمَع الْغَثَّ إِلىَ السَّمِين، وَالخَرَزَ إِلىَ الدُّرِّ الثَّمِين» ٠
[ ٧٩٢ ]
ـ قَالُواْ عَنْ سَعَةِ حِفْظِهِ:
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْعَلاَء: أَخْبَرَنَا محَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ النَّجَّارِ قَال:
«كَانَ أَحْفَظَ مَنْ كَانَ في عَصْرِنَا لِلْحَدِيث» ٠
قَالَ الحَاكِم: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ النَِّيْسَابُورِيَّ الحَافِظَ يَقُول:
«مَا رَأَيْتُ أَحَدًَا أَحْفَظَ لِحَدِيثِ الْكُوفِيّين مِن أَبي الْعَبَّاسِ بْنِ عُقْدَة» ٠
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيب: حَدَّثَني محَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الْغنيِّ بْنَ سَعِيدٍ قَال: سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْل الْوَزِير يَقُول: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عُمَرَ الدَّارَقُطْنيَّ ﵀ يَقُول: «أَجْمَعَ أَهْلُ الْكُوفَة أَنَّهُ لَمْ يُرَ مِنْ زَمَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ إِلىَ زَمَنِ أَبي الْعَبَّاسِ بْنِ عُقْدَةَ أَحْفَظَ مِنهُ» ٠
[ ٧٩٣ ]
قَالَ محَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ النَّيْسَابُورِيّ: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ قَال: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ بْنَ أَبي دَارِمٍ الحَافِظَ يَقُول: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْن محَمَّدِ بْنِ سَعِيد [ابْنَ عُقْدَةَ] يَقُول:
«أَحْفَظُ لأَهْلِ الْبَيْت: ثَلاَثَمِاْئَةِ أَلْفِ حَدِيث» ٠
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ مِن حِفْظِهِ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ محَمَّدَ بْنَ عُمَرَ الْعَلَوِيَّ يَقُول:
[ ٧٩٤ ]
قَالَ لَهُ أَبي: يَا أَبَا الْعَبَّاس؛ بَلَغَني مِن حِفْظِكَ لِلْحَدِيثِ مَا اسْتكْثَرْتُه؛ فَكَمْ تَحْفَظ ٠٠؟
قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ: أَحْفَظُ بِالأَسَانِيدِ وَالمتُونِ خَمْسِينَ وَمِاْئَتيْ أَلْفِ حَدِيث، وَأُذَاكِرُ بِالأَسَانِيدِ وَبَعْضِ المُتُونِ وَالمَرَاسِيلِ وَالمَقَاطِيعِ بِسِتِّمِاْئَةِ أَلْفِ حَدِيث» ٠
يُقْصَدُ بِالمقَاطيع: أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ في الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيْر، أَمَّا المَرَاسِيل: فَهُوَ كُلُّ نَقَلَهُ السَّادَةُ التَّابِعُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُبَاشَرَةً؛
[ ٧٩٥ ]
بِإِسْقَاطِ ذِكْرِ الصَّحَابيّ ٠
ـ قَالُواْ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ:
قَالَ محَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ الْوَرَّاقُ بِحَضْرَةِ الْبَرْقَانيّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ الْفَارِسِيَّ يَقُول:
أَقمْتُ مَعَ إِخْوَتي بِالكُوفَةِ عِدَّةَ سِنِينَ نَكْتُبُ عَنِ ابْنِ عُقْدَة، فَلَمَّا أَرَدْنَا الاِنْصِرَافَ وَدَّعْنَاه؛ فَقَال:
قَدِ اكْتَفَيْتُمْ بِمَا سَمِعْتُمْ مِنيِّ ٠٠؟! أَقَلُّ شَيْخٍ سَمِعْتُ مِنهُ: عِنْدِي عَنْهُ: مِاْئَةُ أَلْفِ حَدِيث؛ فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخ؛ نَحْنُ أَرْبَعَةُ إِخْوَة، قَدْ كَتَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَنْكَ
[ ٧٩٦ ]
مِاْئَةَ أَلْفِ حَدِيث» ٠
قَالَ الصُّورِيّ: قَالَ لي عَبْدُ الْغنيّ: سَمِعْتُ الدَّارَقُطْنيَّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ يَقُول:
«ابْنُ عُقْدَةَ يَعْلَمُ مَا عِنْد النَّاس، وَلاَ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا عِنْدَه» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ دِقَّتِهِ حِفْظِهِ لِلْمُتُونِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَال:
قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ محَمَّدُ بْنُ عِيسَى الهَمَذَانيّ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الحَافِظُ قَال:
«سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الزَّعْفَرَانيَّ يَقُول: رَوَى ابْنُ صَاعِدٍ بِبَغْدَادَ حَدِيثًَا أَخْطَأَ في إِسنَادِهِ؛ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ
[ ٧٩٧ ]
عُقْدَةَ؛ فَخَرَجَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ ابْنِ صَاعِدٍ وَارْتَفَعُواْ إِلىَ الْوَزِيرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَحَبَسَ ابْنَ عُقْدَة؛ فَقَالَ الْوَزِير: مَنْ نَسْأَلُ وَنَرْجِعُ إِلَيْه ٠٠؟
فَقَالُواْ: ابْنُ أَبي حَاتم؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَزِيرُ يَسْأَلُهُ؛ فَنَظَرَ وَتَأَمَّلَ؛ فَإِذَا الحَدِيثُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عُقْدَة، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِك؛ فَأَطْلَقَ ابْنَ عُقْدَةَ وَارْتَفَعَ شَأْنُه» ٠
ـ شَيْءٌ مِنْ نَوَادِرِهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ:
[ ٧٩٨ ]
قَالَ الصُّورِيّ: قَالَ لي زَيْد بْنُ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيّ: قَالَ لَنَا عَلِيُّ بْنُ محَمَّدٍ التَّمَّار: قَالَ لَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عُقْدَة: كَانَ قُدَّامِي كِتَابٌ فِيهِ نَحْوُ خَمْسمِاْئَةِ حَدِيثٍ عَن حَبِيبِ بْنِ أَبي ثَابِتٍ الأَسَدِيِّ لاَ أَعْرِفُ لَهُ طَرِيقًَا [أَيْ لاَ يَذْكُرُ كَيْفَ وَصَلَ إِلَيْه] قَالَ التَّمَّار: فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّام: قَالَ لِبَعْضِ وَرَّاقِيه: قُمْ بِنَا إِلىَ بَجِيلَة [مَوْضِعِ المُغَنِّيَات]؛ فَقَال: أَيْشْ نَعْمَل ٠٠؟
[ ٧٩٩ ]
قَال: بَلَى، تعَالَ فَإِنَّهَا فَائِدَةٌ لَك، فَامتَنَعْتُ؛ فَغَلَبَني عَلَى المجِيء، فَجِئْنَا جَمِيعًَا إِلىَ المَوْضِع ٠٠ فَقَالَ لي: سَلْ عَنْ قُصَيْعَةَ المُخنَّث؛ فَقُلْتُ: اللهَ اللهَ يَا سَيِّدِي؛ ذَا فَضِيحَة؛ فَحْمَلَني الْغَيْظُ فَدَخَلْتُ؛ فَسَأَلْتُ عَنْ قُصَيْعَةَ؛ فَخَرَجَ إِلَيَّ رَجُلٌ في عُنُقِهِ طَبْلٌ مُخَضَّبٌ بِالحِنَّاء، فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْه؛ فَقَال: يَا هَذَا امْضِ، فَاطْرَحْ مَا عَلَيْكَ وَالْبِسْ قَمِيصَكَ وَعَاوِدْ؛ فَمَضَى وَلَبِسَ قَمِيصَهُ وَعَاد، فَقَال: مَا اسْمُكَ ٠٠؟
[ ٨٠٠ ]
قَال: قُصَيْعَة، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ عَلَى الحَقِيقَة ٠٠؟
قَال: محَمَّدُ بْنُ عَلِيّ، قَالَ صَدَقْت، ابْنُ مَن ٠٠؟
قَالَ ابْنُ حَمْزَة، قَالَ ابْنُ مَن ٠٠؟
قَالَ لاَ أَدْرِي وَاللهِ يَا أُسْتَاذِي؛ قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة: ابْنُ حَمْزَةَ بْنِ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبي ثَابِتٍ الأَسَدِيّ؛ فَأَخْرَجَ مِنْ كُمِّهِ الجُزْءَ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَقَال: أَمْسِكْ هَذَا؛ فَأَخَذَهُ؛ فَقَال: ادْفَعْهُ إِلَيّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُمْ فَانْصَرِفْ، ثُمَّ جَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَقُول: دَفَعَ إِلَيَّ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ كِتَابَ جَدِّهِ؛ فَكَانَ فِيهِ كَذَا وَكَذَا» ٠
[ ٨٠١ ]