هُوَ الإِمَامُ المُؤَرِّخُ الحَافِظُ محَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَيْمَازَ المُلَقَّبُ بِالذَّهَبيّ
وُلِدَ سَنَة / ٦٩٢ هـ، وَتُوُفِّيَ ﵀ سَنَةَ ٧٤٨ هـ ٠
لَهُ رِحْلاَتٌ عِدَّةٌ في طَلَبِ الْعِلْمِ إِلىَ الحِجَازِ وَمِصْرَ وَالشَّام [مَنْشَئِهُ وَمَسْقَطِ رَأْسِه] حَصَّلَ خِلاَلَهَا الْكَثِيرَ مِنَ اللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَالنَِّحْوِ وَالأَدَب، كَمَا حَصَّلَ قَدْرًَا لَيْسَ ضَئِيلًا في الْقِرَاءَات، وَاجْتَهَدَ في طَلَبِ الحَدِيثِ وَعُلُومِهِ وَبَزَغَ نَجْمُهُ وَنَبَغَ عِلْمُهُ وَفَهْمُهُ في عِلَلِ الحَدِيثِ وَالجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، وَصَنَّفَ المُصَنَّفَاتِ في ذَلِك، كَمَا تَرَكَ تُرَاثًَا ضَخْمًَا في التَّارِيخِ وَالتَّرَاجِم ٠
[ ١٤١٠ ]
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
دَرَسَ عَلَى شَيْخِ الْعَرَبِيَّةَ وَالأَدَبَ في مِصْرَ عَلَى يَدِ الشَّيْخِ بَهَاءِ الدِّينِ محَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ المَعْرُوفِ بِابْنِ النَّحَّاس، المُتَوَفىَّ سَنَة ٦٩٨ هـ ٠
وَأَخَذَ النَّحْوَ عَلَى شَيْخِهِ أَبي عَبْدِ اللهِ محَمَّدِ بْنِ أَبي الْعَلاَءِ النُّصَيْبيِّ المُتَوَفىَّ سَنَة ٦٩٥ هـ، حَيْثُ سَمِعَ مِنهُ «الحَاجِبِيَّةَ» في النَّحْو ٠
[ ١٤١١ ]
وَأَخَذَ الْقِرَاءَاتِ عَلَى أَيْدِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الشُّيُوخِ أَبْرَزُهُمْ صَدْرُ الدِّينِ سَحْنُون ٠
حَتىَّ لَقَدْ بَلَغَ مِنْ رُسُوخِ قَدَمِهِ في الْقِرَاءَاتِ حَدَّ أَنْ ذَكَرَ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٨٤٢ هـ في كِتَابِهِ الرَّدِّ الْوَافِرِ أَنَّهُ كَانَ «إِمَامًَا في الْقِرَاءَات» ٠
وَأَخَذَ سَائِرَ الْفُرُوعَ مِنْ فِقْهٍ وَفِكْرٍ وَحَدِيثٍ وَعَقَائِدَ عَلَى أَيْدِي:
تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ، المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٥٦ هـ ٠
[ ١٤١٢ ]
وَجَمَالِ الدِّينِ أَبي الحَجَّاجِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُزِّيِّ الشَّافِعِيّ «٦٥٤ - ٧٤٢ هـ»
وَجَمَالِ الدِّينِ أَبي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الحَلَبيِّ المَعْرُوفِ بِابْنِ الظَّاهِرِيّ ٠
«٦٩٦ - ٦٢٦ هـ»
وَتَقِيِّ الدِّينِ أَبي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ المَعْرُوفِ بِابْنِ تَيْمِيَةَ الحَرَّانيّ «٦٦١ - ٧٢٨ هـ»
وَعَلَمِ الدِّينِ أَبي محَمَّدٍ الْقَاسِمِ بْنِ محَمَّدٍ الْبِرْزَاليّ «٦٦١ - ٧٣٩ هـ» ٠
ابْنُ دَقِيقِ الْعِيد المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٠٢ هـ ٠
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
[ ١٤١٣ ]
تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيّ، المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٧١ هـ ٠
قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ الأَسَدِيُّ في الإِعْلاَم:
«سَمِعَ مِنهُ السُّبْكِيُّ وَالبِرْزَاليُّ وَالْعَلاَئِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ رَافِعٍ وَابْنُ رَجَب» ٠٠ وَغَيرُهُمْ كَثِير
وَهَذَا الأَخِير: هُوَ الحَافِظُ أَبُو الْفِدَاءِ عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِير / صَاحِبُ التَّفْسِير المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٧٤ هـ، وَصَاحِبُ كِتَابِ «الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَة» وَالَّذِي تَولىَّ بَعْدَ وَفَاةِ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ مَشْيَخَةَ تُرْبَةِ أُمِّ الصَّالح
ـ أَشْهَرُ مُؤَلَّفَاتِه:
[ ١٤١٤ ]
يَأْتي في مُقَدِّمَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ في التَّارِيخِ كِتَابُهُ الْعَظِيم «تَارِيخُ الإِسْلاَم، وَوَفِيَّاتُ المَشَاهِيرِ وَالأَعْلاَم»
وَ«دُوَلِ الإِسْلاَم» ٠
وَيَأْتي في مُقَدِّمَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ في التَّرَاجِمِ كِتَابُهُ النَّفِيس «سِيَرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ» ٠
وَالَّذِي طَوَّفْنَا بَينَ بَسَاتِينِهِ في تَرَاجِمِ الحُفَّاظ؛ فَقَطَفْنَا لَكُمْ مِنهَا الْيَاقُوتَ وَالمَرْجَانَ وَالأَلْمَاظ ٠
[ ١٤١٥ ]
وَمِنْ مُصَنَّفَاتِهِ في الْقِرَاءَاتِ كِتَابُ «التَّلْوِيحَاتِ في عِلْمِ الْقِرَاءَات» وَكِتَابِ «مَعْرِفَةِ الْقُرَّاءِ الْكِبَارِ عَلَى الطَّبَقَاتِ وَالأَعْصَار» الَّذِي هُوَ بِكُتُبِ التَّرَاجِمِ أَشْبَهُ مِنْ كُتُبِ الْقراءات ٠
وَقَدْ شَهِدَ لَهُ ابْنُ الجَزْرِيِّ بِالإِحْسَانِ فِيه؛ لِذَلِكَ اقْتَبَسَ جُلَّهُ في كِتَابِهِ «غَايَةِ النِّهَايَة» كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ في المُقَدِّمَة، وَوَصَفَهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ في الإِعْلاَنِ بِأَنَّهُ «كِتَابٌ حَافِل» ٠
[ ١٤١٦ ]
أَمَّا عَنْ مُؤَلَّفَاتِهِ في الْعَقَائِدِ وَالْفِقْه: فَيَأْتي في مُقَدِّمَتِهَا كِتَابُهُ «الأَرْبَعِين في صِفَاتِ رَبِّ الْعَالمِين»
وَكِتَابُ «الْعَرْش» وَكِتَابُ «مَسْأَلَةُ الْوَعِيد» وغيرها، وَأَشْهَرُهَا كِتَابُهُ المَعْرُوف «الْعُلُوُّ لِلْعَلِيِّ الْغَفَّار» الَّذِي حَقَّقَهُ وَاخْتَصَرَهُ الأَلْبَانيّ ٠
أَمَّا كُتُبُهُ في الرِّجَالِ وَالجَرْحِ وَالتَّعْدِيل؛ فَيَأْتي في مُقَدِّمَتِهَا كِتَابُهُ الْعَظِيم «مِيزَانُ الاِعْتِدَال؛ في نَقْدِ الرِّجَال» وَالَّذِي اعْتَبَرَهُ مُعَاصِرُوهُ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِن أَحْسَنِ
[ ١٤١٧ ]
كُتُبِهِ وَأَجَلِّهَا ٠
تَنَاوَلَ فِيهِ عَدَدًَا كَبِيرًَا مِنَ الحُفَّاظِ وَالْعُلَمَاءِ ورِجَالِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل: بِالنَّقْدِ اسْتِدْرَاكًَا أَوْ تَعْقِيبًَا أَوْ تَلْخِيصًَا ٠
كَذَلِكَ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ كَتَبَ أَيْضًَا رِسَالَةً بِعُنوَان «ذِكْرِ مَنْ يُؤْتَمَنُ قَوْلُهُ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل»
تَكَلَّمَ فِيهَا عَن أُصُولِ النَّقْدِ وَطَبَقَاتِ النُّقَّاد وَفَنَّدَ أَقْوَالَهُمْ تَفْنِيدَا ٠
ـ أَشْهَرُ مخْتَصَرَاتِه:
[ ١٤١٨ ]
كَمَا قَدَّمَ لِلْمَكْتَبَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْعَدِيدَ مِنَ المخْتَصَرَاتِ يَأْتي في مُقَدِّمَتِهَا اخْتِصَارُهُ لِتَارِيخِ بَغْدَادَ لِلْخَطِيبِ الْبُغْدَادِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٤٦٣ هـ، وَاخْتِصَارُهُ لِلذُّيُولِ الَّتي وُضِعَتْ عَلَيْهِ لاِبْنِ السَّمْعَانيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٥٦٢ هـ، وَابْنِ الدُّبَيْثِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٣٧ هـ، وَابْنِ النَّجَّارِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٤٣ هـ ٠
وَاخْتِصَارُهُ لِتَارِيخِ دِمَشْقَ لاِبْنِ عَسَاكِرَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٥٧١ هـ ٠
[ ١٤١٩ ]
وَاخْتِصَارُهُ لِتَارِيخِ نَيْسَابُورَ لأَبي عَبْدِ اللهِ الحَاكِمِ النَّيْسَابُورِي المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٤٠٥ هـ، وَلِتَارِيخِ خَوَارِزْمَ لاِبْنِ أَرْسَلاَنَ الخَوَارِزْمِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٥٦٨ هـ
وَمِنْ كُتُبِ الْوَفِيَّاتِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ «التَّكْمِلَة؛ لِوَفِيَّاتِ النَّقَلَة» لِزَكِيِّ الدِّينِ المُنْذِرِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٥٦ هـ وَصِلَتِهِ لِلْحُسَيْنيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٩٥ هـ ٠
[ ١٤٢٠ ]
وَاخْتِصَارُهُ لِتَارِيخِ أَبي شَامَةَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٦٥ هـ وَتَارِيخِ أَبي الْفِدَاءِ ابْنِ كَثِيرٍ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٣٢ هـ إِلخ وَالَّذِي نَعْرِفُهُ بِالْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَة ٠
وَمِنْ كُتُبِ الأَنْسَابِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ الأَنْسَابِ لأَبي سَعْدٍ السَّمْعَانيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٥٦٢ هـ ٠
وَمِنْ كُتُبِ الصَّحَابَةِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ أَسَدِ الْغَابَةِ لاِبْنِ الأَثِيرِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٣٠ هـ ٠
وَمِنْ كُتبِ الرِّجَالِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ تَهْذِيبِ الْكَمَال لأَبي الحَجَّاجِ المزِّيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٤٢ هـ ٠
[ ١٤٢١ ]
وَاخْتِصَارُهُ لمُعْجَمِ الشُّيُوخِ لاِبْنِ عَسَاكِرَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٥٧١ هـ ٠٠ وَغَيرُهَا كَثِير ٠
وَكَانَتْ هَذِهِ الاِخْتِصَارَات: هِيَ خَيرَ مَرْحَلَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ صَنَعَتْ مِنهُ نجْمًَا في سَمَاءِ المُؤَلِّفِين، وَأَكْسَبَتْهُ مَلَكَةً أَتْحَفَتْنَا بِالدُّرِّ الثَّمِين ٠
وَهُوَ فَوْقَ هَذَا في هَذِهِ الاِخْتِصَارَات: لَيْسَ مجَرَِّدَ نَاقِلٍ لأَلْفَاظِ وَعِبَارَات، بَلْ لَهُ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ الدَّقِيقَة، وَالاِسْتِدْرَاكَاتِ الْعَمِيقَة، وَالْعِبَارَاتِ الرَّشِيقَة: مَا تَقَرُّ بِهِ الْعُيُون، وَيَطْرَبُ لَهُ المُثَقَّفُون ٠
[ ١٤٢٢ ]
كَمَا في كِتَابِ «الْكَاشِف» في المُصْطَلَح، الَّذِي مِنْ كِتَابِ «تَهْذِيبِ الْكَمَال» لأَبي الحَجَّاجِ المزِّيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٤٢ هـ؛ فَعَلَّقَ في مُخْتَصَرِهِ عَلى آرَاءِ بَعْضِ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل فَخَطَّأَ بَعْضَهَا، كَمَا حَقَّقَ كَثِيرًَا مِنْ تَرَاجِمِ الْكِتَابِ تحْقِيقًَا دَقِيقًَا ٠
وَمِن أَشْهَرِ مَا تَظْهَرُ فِيهِ بَرَاعَةُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في النَّقْدِ وَالتَّحْقِيقِ في مخْتَصَرَاتِهِ تَعْلِيقَاتُهُ عَلَى كِتَابِ
[ ١٤٢٣ ]
«المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لأَبي عَبْدِ اللهِ الحَاكِمِ النَّيْسَابُورِي المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٤٠٥ هـ» الَّذِي أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ في مُؤَلَّفِهِ أَنْ لاَ يُورِدَ مِنَ الأَحَادِيثِ إِلاَّ مَا هُوَ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم، مِمَّا لَمْ يَذْكُرَاهُ في صَحِيحَيْهِمَا؛ فَأَظْهَرَ الإِمَامُ بِمَا لَهُ مِنَ الدِّرَايَةِ وَالمَلَكَةِ في عُلُومِ الحَدِيثِ غَلَطَ الحَاكِمِ وَأَوْهَامَهُ: حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ نِصْفَ الْكِتَابِ فَقَطْ هُوَ الَّذِي عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَينِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَأَنَّ النِّصْفَ الآخَرَ لاَ
[ ١٤٢٤ ]
يَخْلُو مِنَ الْعِلَل، بَلْ كَشَفَ الطَّامَّةَ الْكُبرَى: أَلاَ وَهِيَ أَنَّ في الْكِتَابِ مَا لاَ يَقِلُّ عَنْ ثَلاَثِمِاْئَةِ حَدِيثٍ مَا بَينَ بَعْضُهَا مُنْكَر، أَوْ وَاهِي الإِسْنَاد، أَوْ مَوْضُوع ٠
وَمِنْ تَصَرُّفَاتِهِ في مخْتَصَرَاتِهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ مَا فَعَلَهُ في كِتَابِ الْعِلَلِ لاِبْنِ الجَوْزِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٥٩٧ هـ: حَيْثُ لَمْ يَقْنَعْ بِاخْتِصَارِهِ فَحَسْب؛ حَتىَّ خَرَّجَ أَحَادِيثَهُ ٠
كَمَا اخْتَصَرَ ﵀ كِتَابَ «السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلإِمَامِ الْبَيْهَقِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَة ٤٥٨ هـ» ٠
[ ١٤٢٥ ]
فَعَلَّقَ عَلَى أَسَانِيدِهِ بِكَلاَمٍ يَدُلُّ عَلَى تَبَحُّرِهِ في المُصْطَلَح، وَوَضَعَ رُمُوزًَا عَلَى الأَحَادِيثِ المَرْوِيَّةِ في الصَّحِيحَينِ وَفي السُّنَنِ الأَرْبَع، وَخَرَّجَ الأَحَادِيثَ الَّتي لَمْ تَرِدْ في هَذِهِ الْكُتُبِ السِّتَّة ٠
كَمَا اخْتَصَرَ ﵀ في الشِّعْرِ كِتَابَ «الخريدة لِلْعِمَادِ الأَصْبَهَانيِّ الْقُرَشِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَة ٥٩٦ هـ» ٠
كَمَا اخْتَصَرَ كِتَابَاتٍ أُخْرَى لِكِبَارِ الْعُلَمَاءِ مِثْلِ زَكِيِّ الدِّينِ البِرْزَاليِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٣٦ هـ» ٠
[ ١٤٢٦ ]
وَفَخْرِ الدِّينِ ابْنِ الْبُخَارِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٩٠ هـ» ٠
وَشِهَابِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الأَبْرَقُوهِي المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٠١ هـ» ٠
وَضِيَاءِ الدِّينِ المَقْدِسِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٤٣ هـ» ٠ وَغَيرُهُمْ كَثِير ٠
وَمِمَّا اخْتَصَرَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ مِنْ كُتُبِ الْعَقَائِدِ كِتَابُ «الْبَعْثِ وَالنُّشُور» وَكِتَابُ «الْقَدَر» لِلإِمَامِ الْبَيْهَقِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٤٥٨ هـ، وَكِتَابُ «الْفَارُوقِ في الصِّفَات» لِشَيْخِ الإِسْلاَمِ الأَنْصَارِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٤٨١ هـ، وَكِتَابُ «مِنهَاجِ
[ ١٤٢٧ ]
الاِعْتِدَالِ في نَقْضِ كَلاَمِ أَهْلِ الرَّفْضِ وَالاِعْتِزَال» لِرَفِيقِهِ وَشَيْخِهِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَة؛ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٢٨ هـ ٠
لَقَدْ كَانَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ﵀ عَالمًَا مَوْسُوعِيًَّا، حَيْثُ تَرَكَ ثَرْوَةً ضَخْمَةً مِنَ المُؤَلَّفَاتِ وَالمُخْتَصَرَاتِ أَتْعَبَتِ الْبَاحِثِينَ وَالمحَقِّقِين ٠٠ وَصَفَهُ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنيُّ في الدُّرَرِ الْكَامِنَةِ بِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ أَهْلِ عَصْرِهِ تَصْنِيفًَا، مُعْظَمُهَا في الحَدِيثِ وَالتَّرَاجِم ٠
[ ١٤٢٨ ]
ـ عَمْلَقَةُ هَذَا الإِمَامِ الْفَرْد:
وَيُعْجِبُكَ في كُتُبِهِ جَمْعَاء: أَنَّهُ لاَ يُورِدُ حَدِيثًَا فِيهِ ضَعْفُ مَتْنٍ أَوْ ظَلاَمُ إِسْنَادٍ إِلاَّ بَيَّنَهُ لَك ٠
وَبَلَغَ مِنْ فَضْلِهِ أَنَّ الحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنيَّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٨٥٢ هـ شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمٍ سَائِلًا اللهَ أَنْ يَصِلَ إِلىَ مَرْتَبَةِ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في الحِفْظِ وَالْفِطْنَة [أَخْبرَ عَنهُ بِذَلِكَ تِلْمِيذُهُ السَّخَاوِيُّ في الإِعْلاَن]
[ ١٤٢٩ ]
وَحِينَمَا كَتَبَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ كِتَابَهُ «تَذْكِرَةَ الحُفَّاظ» وَرَتَّبَهُ عَلَى الطَّبَقَات؛ تَنَاوَلَ في نِهَايَةِ كُلِّ طَبَقَةٍ الأَوْضَاعَ السِّيَاسِيَّةَ وَالثَّقَافِيَّةَ وَالاِجْتِمَاعِيَّةَ وَالاِقْتِصَادِيَّةَ الَّتي سَادَتْ عَصْرَهَا، فَأَجْمَلَ ذَلِكَ في فَقْرَاتٍ قَلِيلَة؛ دَلَّتْ عَلَى سَعَةِ أُفُقِهِ وَقُدْرَتِهِ البَارِعَةِ عَلَى اسْتِيعَابِ الحِقْبِ الزَّمَنِيَّةِ لِلْعَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ المُمْتَدِّ في عِبَارَاتٍ قَصِيرَة؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عُمْقِ الرُّؤْيَةِ وَنَفَاذِ الْبَصِيرَة ٠
[ ١٤٣٠ ]
ـ عَدَالَتُهُ في أَحْكَامِه، وَإِنْصَافُهُ في كَلاَمِه:
وَهُوَ في أَحْكَامِهِ وَاسِعَ الأُفُق، حَسَنَ الخُلُق، أَمِينٌ مُنْصِف، فِيمَا يُؤَلِّفُ وَيُصَنِّف ٠
وَلِلإِمَامِ الذَّهَبيِّ رِسَالَتَانِ يَرُدُّ فِيهِمَا عَلَى جِمْلَةٍ مِن عُلَمَاءِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل: رِسَالَةٌ في «الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ بِمَا لاَ يُوجِبُ رَدَّهُمْ» وَالأُخْرَى في «مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ مُوَثَّق» ٠
وَلَهُ رِسَالَةٌ لَمْ تُطْبَعْ بِعُنوَان: «الرَّدُّ عَلَى ابْنِ الْقَطَّان» المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٢٦٨ هـ
[ ١٤٣١ ]
وَلَمْ يَقْتَصِرْ نَقْدُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ عَلَى الرِّجَالِ فَحَسْب، بَلْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلىَ نَقْدِ بَعْضِ المُؤَلَّفَات:
فَانْتَقَدَ مَثَلًا كِتَابَ «الضُّعَفَاءِ» لأَبي جَعْفَرٍ محَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْعُقَيْلِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٣٢٢ هـ؛
لإِيرَادِهِ بَعْضَ الثِّقَات: وَمِنهُمْ حَافِظُ عَصْرِهِ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٢٣٤ هـ ٠
فَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في تَرْجَمَةِ ابْنِ المَدِينيِّ في المِيزَان: «ذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ في «الضُّعَفَاءِ» فَبِئْسَ مَا صَنَع» وَرَدَّ عَلَيْهِ حِينَمَا نَقَلَ قَوْلَ
[ ١٤٣٢ ]
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ: «كَانَ أَبي حَدَّثَنَا عَنهُ ثُمَّ أَمْسَكَ عَنِ اسْمِهِ، ثمَّ تَرَكَ حَدِيثَهُ» رَدَّ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ هَذَا الاِدِّعَاءَ قَائِلًا: «بَلْ حَدِيثُهُ عَنهُ في مُسْنَدِهِ» وَهَذَا رَدٌّ مُفْحِمٌ مِنَ الإِمَامِ الذَّهَبيّ، ثمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا: «وَهَذَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ - وَنَاهِيكَ بِهِ - قَدْ شَحَنَ صَحِيحَهُ بحَدِيثِ ابْنِ المَدِينيّ» ٠
[ ١٤٣٣ ]
وَلَمْ يَقْتَصِرْ دَوْرُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في نَقْدِهِ لِلْكُتُبِ عَلَى إِيرَادِ مَسَاوِئِهَا؛ بَلْ كَثِيرًَا مَا نَرَاهُ يُسْهِبُ في ذِكْرِ محَاسِنِهَا، فَقَدْ سَبَقَ أَنْ قَالَ إِنَّ كِتَابَ الْعُقَيْلِيِّ مُفِيد، وَقَالَ عَنِ «الْكَامِلِ في الضُّعَفَاءِ» لاِبْنِ عَدِيٍّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٣٦٥ هـ في مِيزَانِ الاِعْتِدَال: «أَكْمَلُ الْكُتُبِ وَأَجَلُّهَا في ذَلِك» ٠
وَقَالَ في تَرْجَمَةِ الدَّارَ قُطْنيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٣٨٥ هـ بِتَذْكِرَةِ الحُفَّاظ: «وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَتَبَيَّنَ بَرَاعَةَ هَذَا الإِمَامِ الْفَرْد؛
[ ١٤٣٤ ]
فَطَالِعِ الْعِلَلَ لَه؛ فَإِنَّكَ تَنْدَهِشُ وَيَطُولُ تَعَجُّبُك» ٠
وَكَانَ يَرْحَمُهُ اللهُ يَتَحَلَّى في رُدُودِهِ الْعِلْمِيَّةِ عَلَى مخَالِفِيهِ يَتَّسِمُ بِالطَّابَعِ المَوْضُوعِيّ ٠٠
وَالذَّهَبيُّ لَمْ يَكُنْ بِالمُسْتَوَى الَّذِي يُزْرِي بِصَاحِبِهِ مِن حَيْثُ النَّظَرِ في كُتُبِ الْفِقْهِ وَأَقْوَالِ الأَئِمَّة؛ قَالَ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٨٤٢ هـ في كِتَابِهِ الرَّدِّ الْوَافِر: «لَهُ دُرْبَةٌ بِمَذَاهِبِ الأَئِمَّة» ٠
[ ١٤٣٥ ]
ـ قَالُواْ عَنِ الإِمَامِ الذَّهَبيّ:
كَانَ زَاهِدًَا وَرِعًَا حَسَنَ الدِّيَانَة [أَيْ سَلِيمَ المُعْتَقَد] كَمَا كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ بِمَشَاهِيرِ قُرَّاءِ زَمَانِهِ وَبِالْكَثِيرِ مِنْ كِبَارِ الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ وَالنَّاسِكِين، وَالمُعْتَدِلِينَ مِنَ المُتَصَوُِّفِينَ غَيرِ الشَّاطِحِين ٠
قَالَ عَنهُ تِلْمِيذُهُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ رَافِعٍ السُّلاَمِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٧٤ هـ: «كَانَ خَيِّرًَا صَالحًَا مُتَوَاضِعًَا حَسَنَ الخُلُقِ حُلْوَ المحَاضَرَة، غَالِبُ أَوْقَاتِهِ في الجَمْعِ وَالاِخْتِصَار وَالاِشْتِغَالِ بِالْعِبَادَة، لَهُ وِرْدٌ بِاللَّيْل [أَيْ قِيَامٌ
[ ١٤٣٦ ]
بِاللَّيْل] وَعِنْدَهُ مُرُوءَةٌ وَعَصَبِيَّةٌ وَكَرَم» ٠٠ الْعَصَبِيَّةُ هُنَا هِيَ الاِنْتِمَاء ٠
وَقَالَ عَنهُ الزَّرْكَشِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٩٤ هـ:
«كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ التَّامِّ وَالإِيثَارِ الْعَامِّ وَالسَّبْقِ إِلىَ الخَيْرَات» ٠
هَذَا عَنْ صَلاَحِهِ وَخُلُقِهِ ٠٠ وَلَكِنْ مَاذَا عَنْ مَكَانَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ وَإِبْدَاعِهِ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل ٠٠؟
[ ١٤٣٧ ]
ـ قَالُواْ عَنْ مَكَانَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ وَإِبْدَاعِهِ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل:
صَدَقَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في عِنْدَمَا وَصَفَهُ فَقَالَ: «شَيْخُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل»
وَقَالَ عَنهُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٨٤٢ هـ في «الرَّدِّ الْوَافِر»: «نَاقِدُ المحَدِّثِينَ وَإِمَامُ المُعَدِّلِينَ وَالمُجَرِّحِين، كَانَ آيَةً في نَقْدِ الرِّجَال، عُمْدَةً في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل» ٠
وَقَالَ عَنهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٩٠٢ هـ في الإِعْلاَن:
«وَهُوَ مِن أَهْلِ الاِسْتِقْرَاءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجَال» ٠
[ ١٤٣٨ ]
هَذَا وَغَيرُهُ مِمَّا جَعَلَ أَحْكَامَ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ لَدَى المُؤَرِّخِينَ وَرِجَالِ الحَدِيثِ وَكُتَّابِ الرَّائِقِ بمَثَابَةِ خَاتَمِ النَّسْر ٠
وَوَصَفَهُ شَيْخُهُ وَرَفِيقُهُ عَلَمُ الدِّينِ أَبُو محَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ محَمَّدٍ الْبِرْزَاليُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٣٩ هـ في مُعْجَمِ شُيُوخِهِ فَقَالَ عَنهُ وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ كَانَ لاَ زَالَ شَابًَّا في مُقْتَبَلِ الْعُمُر:
«رَجُلٌ فَاضِلٌ صَحِيحُ الذِّهْن، اشْتَغَلَ وَرَحَلَ وَكَتَبَ الْكَثِير، وَلَهُ تَصَانِيفُ وَاخْتِصَارَاتٌ مُفِيدَة، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بشيوخ القراءات» ٠
[ ١٤٣٩ ]
وَقَالَ عَنهُ تِلْمِيذُهُ صَلاَحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ [ابْنُ الصَِّلاَح] المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٦٤ هـ في الْوَافي:
«الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَلاَّمَةُ الحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الذَّهَبيّ: حَافِظٌ لاَ يُجَارَى، وَلاَفِظٌ لاَ يُبَارَى، أَتْقَنَ الحَدِيثَ وَرِجَالَه، وَنَظَرَ عِلَلَهُ وَأَحْوَالَه، وَعَرَفَ تَرَاجِمَ النَّاس، وَأَزَالَ الإِبْهَامَ في تَوَارِيخِهِمْ وَالاِلْتِبَاس، ذِهْنٌ يَتَوَقَّدُ ذَكَاؤُه، وَصَحَّ إِلىَ الذَّهَبِ نِسْبَتُهُ وَانْتِمَاؤُه، جَمَعَ الْكَثِير، وَنَفَعَ الجَمَّ الْغَفِير، وَأَكْثَرَ مِنَ التَّصْنِيف، وَوَفَّرَ بِالاِخْتِصَارِ مَؤُونَةَ التَّطْوِيلِ في التَّأْلِيف، اجْتَمَعْتُ بِهِ وَأَخَذْتُ عَنهُ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كَثِيرًَا مِنْ تَصَانِيفِهِ،
[ ١٤٤٠ ]
فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ جُمُودَ جُمُودَ المُحَدِّثِين، وَلاَ كَوْدَنَةَ النَّقَلَة، بَلْ هُوَ فَقِيهُ النَّظَر، لَهُ دُرْبَةٌ بِأَقْوَالِ النَّاسِ وَمَذَاهِبِ الأَئِمَّة» ٠
وَبِرَغْمِ مخَالَفَاتِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ لِشَيْخِهِ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في بَعْضِ المَسَائِلِ وَرَدِّهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ في حَقِّه: «شَيْخُنَا وَأُسْتَاذُنَا، الإِمَامُ الحَافِظ، محَدِّثُ الْعَصْر، اشْتَمَلَ عَصْرُنَا عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الحُفَّاظ، بَيْنَهُمْ عُمُومٌ وَخُصُوص [أَيْ عَامَّتُهُمْ مِنَ الحُفَّاظ، وَإِنِ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمْ بِالتَّفَرُّدِ في فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوع] المُزِّيُّ وَالبِرْزَاليُّ وَالذَّهَبيُّ وَالشَّيْخُ الإِمَامُ الْوَالِد [أَيْ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ] لاَ خَامِسَ لهَؤُلاَءِ في عَصْرِهِمْ، وَأَمَّا أُسْتَاذُنَا أَبُو عَبْدِ الله:
[ ١٤٤١ ]
فَبَصَرٌ لاَ نَظِيرَ لَه، وَكَنْزٌ هُوَ المَلْجَأُ إِذَا نَزَلَتْ المُعْضِلَة، إِمَامُ الْوُجُودِ حِفْظًَا، وَذَهَبُ الْعَصْرِ مَعْنىً وَلَفْظًَا، وَشَيْخُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، وَرَجُلُ الرِّجَالِ في كُلِّ سَبِيل، وَهُوَ الَّذِي خَرَّجْنَا في هَذِهِ الصِّنَاعَة، وَأَدْخَلَنَا في عِدَادِ الجَمَاعَه»
وَقَالَ عَنهُ تِلْمِيذُهُ أَبُو الْفِدَاءِ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٧٧٤ هـ في الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَة: «الشَّيْخُ الحَافِظُ الْكَبِيرُ مُؤَرِّخُ الإِسْلاَمِ وَشَيْخُ المحَدِّثِين، وَقَدْ خُتِمَ بِهِ شُيُوخُ الحَدِيثِ وَحُفَّاظُه» ٠
[ ١٤٤٢ ]
وَحِينَ قَدِمَ الْعَلاَّمَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ المَوْصِلِيُّ الأَصْل، الطَّرَابُلْسِيُّ دِمَشْقَ سَنَةَ ٧٣٤ هـ وَدَرَسَ عَلَى الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في تِلْكَ السَّنَةِ قَالَ فِيه:
مَا زِلْتُ بِالسَّمْعِ أَهْوَاكُمْ وَمَا ذُكِرَتْ أَخْبَارُكُمْ قَطُّ إِلاَّ مِلْتُ مِنْ طَرَبِ
وَلَيْسَ مِن عَجَبٍ أَنْ مِلْتُ نَحْوَكُمُ فَالنَّاسُ في طَبْعِهِمْ مَيْلٌ إِلىَ الذَّهَبِ
وَقَالَ ابْنُ نَاصِرٍ في الرَّدِّ الْوَافِر: «الحَافِظُ الهُمَام، مُفِيدُ الشَّام، وَمُؤَرِّخُ الإِسْلاَم» ٠
[ ١٤٤٣ ]
وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ جَلاَلُ الدِّينِ السِّيُوطِيّ: «إِنَّ المحَدِّثِينَ عِيَالٌ في الرِّجَالِ وَغَيرِهَا مِنْ فُنُونِ الحَدِيثِ عَلَى أَرْبَعَة: المُزِّيّ، وَالذَّهَبيّ، وَالْعِرَاقِيّ، وَابْنِ حَجَر» ٠
وَقَالَ فِيهِ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٨٥٥ هـ:
«الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلاَّمَةُ الحَافِظُ المُؤَرِّخُ شَيْخُ المحَدِّثِين» ٠
وَقَالَ فِيهِ سِبْطُ بْنُ حَجَرٍ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٨٩٩ هـ في «رَوْنَقِ الأَلْفَاظ»:
«للهِ دَرُّهُ مِن إِمَامٍ محَدِّث؛ فَكَمْ دَخَلَ في جَمِيعِ الْفُنُونِ وَخَرَّجَ وَصَحَّح، وَعَدَّلَ وَجَرَّح، وَأَتْقَنَ هَذِهِ الصِّنَاعَة؛ فَهُوَ الإِمَامُ سَيِّدُ الحُفَّاظِ إِمَامُ المحَدِّثِينَ قُدْوَةُ النَّاقِدِين» ٠
[ ١٤٤٤ ]
وَيَكْفِيهِ شَرَفًَا أَنَّهُ أَفْنىَ حَيَاتَهُ في تحْقِيقِ أَحَادِيثِ النَّبيِّ ﷺ وَتَدْرِيسِهَا ٠
وَلِذَا أَمَّهُ طَلَبَةُ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْب ٠
[هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُخْتَصَرَةٌ مِنْ بحْثٍ طَوِيلٍ لِلدُّكْتُور بَشَّار عَوَّاد مَعْرُوف حَوْلَ حَيَاةِ الإِمَامِ الذَّهَبيّ، قَدَّمَ بِهَا سِيَر أَعْلاَمِ النُّبَلاَء]
[ ١٤٤٥ ]