يَقُولُ ابْنُ مَنْظُورٍ الإِفْرِيقِيُّ صَاحِبُ لِسَانِ الْعَرَب:
«تَبِعْتُ الشَّيْءَ تَبَعًَا: سِرْت في إِثْرِهِ، واتَّبَعَهُ وأَتْبَعَهُ وَتَتَبَّعَهُ قَفَاه» ٠ [لِسَانُ الْعَرَب]
قَالَ الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيب: «التَّابِعِيُّ مَنْ صَحِبَ الصَّحَابيّ» [الإِمَامُ الْقُرْطُبيُّ في تَفْسِيرِه]
[ ٢٢ ]
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنه﴾ ﴿التَّوْبَة/١٠٠﴾
قَالَ قَتَادَةُ ﵀ في هَذِهِ الآيَة: «وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ: التَّابِعُون» ٠
[الإِمَامُ الرَّازِي في تَفْسِيرِه]
[ ٢٣ ]
وَقَالَ عِكْرِمَةُ في قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَآخَرِينَ مِنهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾: «هُمُ التَّابِعُون» ٠ [الإِمَامُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعَانيُّ في تَفْسِيرِه]
قَالَ ابْنُ عَجِيبَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَة:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُواْ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾: هُمُ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ إِلىَ يَوْمِ الْقِيَامَة» ٠
[تَفْسِيرُ الْبَحْرِ المَدِيد لاِبْنِ عَجِيبَة]
[ ٢٤ ]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبيَّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْر؟ قَالَ ﷺ: «الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيه، ثُمَّ الثَّاني، ثُمَّ الثَّالِث» ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٥٣٦ / عَبْد البَاقِي]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: «خَيْرُ أُمَّتي الَّذِينَ يَلُوني، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثمَّ يجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَه، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَه» ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٥٣٣ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٥ ]
أَمَّا سَائِرُ رَوَايَاتِ الصَِّحِيحَينِ فَتَقُول: «خَيْرُكُمْ قَرْني، خَيْرُ أُمَّتي قَرْني، خَيْرُ النَّاسِ قَرْني» ٠
وَبِمَا أَنَّ الْقَرْنَ كَمَا في لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الأُمَّة؛ وَمِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلاَ:
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ﴿الأَنعَام/٦، مَرْيم/٩٨، ص/٣، ق/٣٦﴾
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ ﴿يُونُس/١٣، الإِسْرَاء/١٧، طَهَ/١٢٨، القَصَص/٧٨، السَّجْدَة/٢٦، يَسِ/٣١﴾
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًَا آَخَرِين﴾ ﴿المُؤْمِنُون/٣١، الأَنعَام/٦﴾
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًَا آَخَرِين﴾ ﴿المُؤْمِنُون/٤٢﴾
﴿قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولىَ﴾ ﴿طَهَ/٥١﴾
[ ٢٦ ]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاس﴾ ﴿القَصَص/٤٣﴾
فَالْقَرْنُ هُوَ الأُمَّة، وَقِيلَ في لِسَانِ الْعَرَبِ أَيْضًَا هُوَ عُمْرُ الأُمَّة، وَاخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ: فَمِنهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلىَ أَنَّهُ مِنْ ٦٠ إِلىَ ٧٠ سَنَة؛ لِقَوْلِهِ ﷺ:
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
«أَعْمَارُ أُمَّتي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلىَ السَّبْعِين، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِك» ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٤٢٣٦، وَحَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعيب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان]
[ ٢٧ ]
وَأَكْبَرُ وَأَشْهَرُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْقَرْنَ هُوَ مِاْئَة سَنَة ٠
فَلَوْ أَخَذْنَا بِهَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ انْتِهَاءُ قَرْنِ النَّبيِّ ﷺ قَرْنِ الصَِّحَابَةِ ﵃ بَعْدَ مِاْئَةِ سَنَةٍ مِنْ تَارِيخِ الْبَعْثَة: [١٠٠ - ١٣ في مَكَّة] = سَنَة [٨٧ هـ]
وَانْتِهَاءُ قَرْنِ التَّابِعِين سَنَة [٨٧ + ١٠٠] = [١٨٧ هـ]
وَانْتِهَاءُ قَرْنِ تَابِعِي التَّابِعِين سَنَة [١٨٧ + ١٠٠] = [٢٨٧ هـ]
[ ٢٨ ]
وَلَوْ أَخَذْنَا بِالْقَوْلِ الأَوَّل [عُمْرِ الأُمَّة] يَكُونُ انْتِهَاءُ قَرْنِ النَّبيِّ ﷺ قَرْنِ الصَِّحَابَةِ ﵃ بانْتِهَاءِ عُمْرِ آخِرِ صَحَابيٍّ فِيه: أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ كَمَا سَيَأْتي ٠٠ أَيْ سَنَة [٩٣ هـ]
وَانْتِهَاءُ قَرْنِ التَّابِعِين سَنَة [٢٠٠ هـ] تَقْرِيبًَا
وَانْتِهَاءُ قَرْنِ تَابِعِي التَّابِعِين سَنَة [٣٠٣ هـ] تَقْرِيبًَا
[ ٢٩ ]
عُمْرِ آخِرِ صَحَابيّ
وَبِمَا أَنَّ الْقَرْنَ كَمَا في لِسَانِ الْعَرَبِ بِاخْتِصَارٍ هُوَ عُمْرُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَم: فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا لمَعْرِفَةِ مَتىَ انْتَهَى قَرْنُ الصَّحَابَةِ أَنْ نَنْظُرَ آخِرَ المُعَمَّرِينَ مِنهُمْ ٠
قَالَ خَيْرِ الدِّينِ الزِّرِكْلِيِّ في الأَعْلاَم:
«آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًَا بِالْيَمَامَةِ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ مَنْدَةَ الهِرْمَاسُ بْنُ زِيَادٍ الْبَاهِلِيّ» ٠
[الأَعْلاَمُ لخَيْرِ الدِّينِ الزِّرِكْلِيّ]
[ ٣٠ ]
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء:
«أَظُنُّ الهِرْمَاسَ بَقِيَ حَيًَّا إِلىَ حُدُودِ سَنَةِ ٩٠ هـ» ٠
[الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٢٠/ ٣]
وَقَالَ قَتَادَة: «آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِدِمَشْق: وَاثِلَةُ بْنُ الأَسْقَع» ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣٦١/ ٣]
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَال:
«تُوُفِّيَ وَاثِلَةُ في سَنَةِ ٨٣ هـ، وَهُوَ ابْنُ مِاْئَةٍ وَخَمْسِ سِنِين» ٠
[الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣٦١/ ٣]
[ ٣١ ]
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ مُعَلِّقًَا عَلَى هَذَا: «اعْتَمَدَهُ الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُه» ٠
[الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٢٠/ ٣]
وَذَكَرَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ أَنَّهُ مَاتَ ٨٣ هـ ٠
وَذَكَرَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ في تَرْجَمَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ مَاتَ ٩٣ هـ ٠
[ ٣٢ ]
قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في الْفَتَاوَى عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة عَنْ فَضْلِ هَذِهِ الطَّبَقَة: «هَذِهِ الطَّبَقَةُ [مِنَ التَّابِعِين]: كَانَ لَهَا قُوَّةُ الحِفْظِ وَالفَهْم، وَالفِقْهُ في الدِّين، وَالبَصَرُ بِالتَّأْوِيل؛ فَفَجَّرَتْ مِنَ النُّصُوصِ أَنهَارَ العُلُوم، وَاسْتَنبَطَتْ مِنهَا الْكُنُوز، وَرُزِقَتْ فِيهَا فَهْمًَا خَاصًَّا ٠٠ وَهَذَا الفَهْمُ هُوَ بمَنزِلَةِ الكَلأِ وَالعُشْبِ الَّذِي أَنْبَتَتْهُ الأَرْضُ الطَّيِّبَة، ثمَّ وَلِيَهَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ آخَرُون، حَفِظُواْ النُّصُوصَ الَّتي وَرِثُوهَا؛ فَكَانَ هَمَّهُمْ حِفْظُهَا وَضَبْطُهَا؛ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُواْ مِنهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَرَوَواْ؛ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ٠٠
[ ٣٣ ]
فَهَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵁ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ حَبْرُ الأُمَّة، وَتُرْجُمَانُ القُرْآن، فَاقَ النَّاسَ وَقَدْ سَمِعُواْ مَا سَمِع، وَحَفِظُواْ القُرْآنَ كَمَا حَفِظ، لَكِنَّ أَرْضَهُ كَانَتْ مَن أَطْيَبِ الأَرَاضِي وَأَقْبَلِهَا لِلزَّرْع؛ فَبَذَرَتْ فِيهَا النُّصُوصُ وَأَنْبَتَتْ مَنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيم ٠٠ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء، وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيم ٠٠
[ ٣٤ ]
أَيْنَ تَقَعُ فَتَاوَى أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ وَتَفْسِيرُهُ وَاسْتِنْبَاطُهُ مِنْ فَتَاوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَتَفْسِيرِه؟ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَحْفَظُ مِنهُ، بَلْ هُوَ حَافِظُ الأُمَّةِ عَلَى الإِطْلاَق: يُؤَدِّي الحَدِيثَ كَمَا سَمِعَهُ، وَيَدْرُسُهُ بِاللَّيْلِ دَرْسًَا؛ كَانَتْ هِمَّتُهُ ﵁ مَصْرُوفَةً إِلىَ الحِفْظِ وَتَبْلِيغِ مَا حَفِظَهُ كَمَا سَمِعَهُ، وَهِمَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: مَصْرُوفَةً إِلىَ التَّفَقُّهِ وَالاِسْتِنْبَاطِ وَتَفْجِيرِ النُّصُوصِ وَشَقِّ الأَنهَار، وَاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهَا مِنَ الْكُنُوز» ٠
﴿إِعْدَادُ الكَاتِبِ الإِسْلاَمِيّ / يَاسِر الحَمَدَانِي﴾
[ ٣٥ ]