هُوَ الإِمَامُ القُدْوَةُ الحَافِظُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الحَرَشِيُّ العَامِرِيُّ البَصْرِيّ ٠
وُلِدَ سَنَةَ ١ هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٨٦ هـ ٠
قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاط: «مَاتَ مُطَرِّفٌ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانيْن» ٠
قَالَ أَخُو مُطَرِّفٍ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّير: «مُطَرِّفٌ أَكْبَرُ مِنيِّ بِعَشْرِ سِنِين، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ بِعَشْرِ سِنِين» ٠
[ ٦٣٣ ]
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في السِّيَر: «هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَوْلِدَ مُطَرِّفٍ كَانَ عَامَ بَدْرٍ أَوْ عَامَ أُحُد، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِن عُمَرَ وَأُبَيٍّ ﵄» ٠
قَابَلَ الإِمَامَ عَلِيٍّ وَجَرَى بَيْنَهُمَا حَدِيث ٠٠
حَدَّثَ ابْنُ أَبي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَال:
«لَقِيتُ عَلِيًَّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فَقَالَ لي: يَا أَبَا عَبْدِ الله؛ مَا بَطَّأَ بِك ٠٠؟ أَحُبُّ عُثْمَانَ ٠٠؟
[ ٦٣٤ ]
ثُمَّ قَالَ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه: لَئِنْ قُلْتَ ذَاك؛ لَقَدْ كَانَ أَوْصَلَنَا لِلرَّحِم، وَأَتْقَانَا لِلرَّبّ» ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
حَدَّثَ عَن أَبيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁، وَعَن عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَأَبي ذَرٍّ وَعُثْمَانَ ﵃، وَعَائِشَةَ ﵂، وَمُعَاوِيَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵃ وَغَيْرِهِمْ ٠
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
[ ٦٣٥ ]
حَدَّثَ عَنهُ الحَسَنُ البَصْرِيّ، وَأَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الله، وَأَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْد، وَثَابِتٌ البُنَانيّ، وَقَتَادَة، وَغَيْلاَنُ بْنُ جَرِير، وَمحَمَّدُ بْنُ وَاسِع، وَأَبُو نَضْرَةَ العَبْدِيّ، وَحُمَيْدُ بْنُ هِلاَل، وَغَيرُهُمْ ٠
ـ صَلاَحُهُ وَشَمَائِلُه:
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب: «كَانَ مُطَرِّفٌ مُجَابَ الدَّعْوَة» ٠
حَدَّثَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَن غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ مُطَرِّفٍ وَبَينَ رَجُلٍ كَلاَم، فَكَذَبَ عَلَيْه؛ فَقَالَ مُطَرِّف: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ
[ ٦٣٦ ]
كَاذِبًَا فَأَمِتْه؛ فَخَرَّ مَيْتًَا مَكَانَه؛ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلىَ زِيَادٍ فَقَال: قَتَلْتَ الرَّجُل؛ قَالَ لاَ، وَلَكِنَّهَا دَعْوَةٌ وَافَقَتْ أَجَلًا» ٠
حَدَّثَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَال:
«كَانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَصَاحِبٌ لَهُ سَرَيَا في لَيْلَةٍ مُظْلِمَة؛ فَإِذَا طَرَفُ سَوْطِ أَحَدِهِمَا عِنْدَهُ ضَوْء؛ فَقَال: أَمَا إِنَّهُ لَوْ حَدَّثْنَا النَّاسَ بِهَذَا كَذَّبُونَا؛ فَقَالَ مُطَرِّف: المُكَذِّبُ بِنِعْمَةِ اللهِ أَكْذَب» ٠
[ ٦٣٧ ]
حَدَّثَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَن غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ قَال: «أَقْبَلَ مُطَرِّفٌ مَعَ ابْنِ أَخٍ لَهُ مِنَ البَادِيَةِ وَكَانَ يَبْدُو [أَيْ يَزُورُ الْبَادِيَة] فَبَيْنَا هُوَ يَسِير؛ سَمِعَ في طَرَفِ سَوْطِهِ كَالتَّسْبيح؛ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيه: لَوْ حَدَّثْنَا النَّاسَ بِهَذَا كَذَّبُونَا؛ فَقَال: المُكَذِّبُ أَكْذَبُ النَّاس» ٠
وَحَدَّثَ أَبُو التَّيَّاحِ قَال:
«كَانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَبْدُو؛ فَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ أَدْلَجَ عَلَى فَرَسِه، فَرُبَّمَا نَوَّرَ لَهُ سَوْطُه، فَأَدْلَجَ لَيْلَةً؛
[ ٦٣٨ ]
حَتىَّ إِذَا كَانَ عِنْدَ القُبُورِ هَوَّمَ عَلَى فَرَسِه - أَيْ غَشِيَهُ النُّعَاس - قَال: فَرَأَيْتُ أَهْلَ القُبُور ٠٠ صَاحِبَ كُلِّ قَبْرٍ جَالِسًَا عَلَى قَبْرِه، فَلَمَّا رَأَوْني قَالُواْ: هَذَا مُطَرِّفٌ يَأْتي الجُمُعَة؛ قُلْتُ: أَتُعَلِّمُونَ عِنْدَكُمْ يَوْمَ الجُمُعَة ٠٠؟
قَالُواْ: نَعَمْ، نَعْلَمُ مِمَّا تَقُولُ الطَّيْرُ فِيه؛ قُلْتُ: وَمَا تَقُولُ الطَّيْر ٠٠؟
قَالُواْ: تَقُول: سَلاَمٌ سَلاَمٌ مِنْ يَوْمٍ صَالح» ٠٠ أَيْ كَفَانَا اللهُ شَرَّكَ مِنْ يَوْمٍ صَالح؛ فَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَة
[ ٦٣٩ ]
[ذَكَرَهَا الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ وَقَال: إِسْنَادُهَا صَحِيح ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ١٩٤/ ٤]
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَة: «كَانَ مُطَرِّفٌ إِذَا دَخَلَ بَيْتَه: سَبَّحَتْ مَعَهُ آنِيَةُ بَيْتِه» ٠
حَدَّثَ الحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو الفَزَارِيُّ عَنْ ثَابِتٍ البُنَانيِّ وَرَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُمَا دَخَلاَ عَلَى مُطَرِّفٍ وَهُوَ مُغْمَىً عَلَيْه [أَيْ يَحْتَضِر] فَسَطَعَتْ مَعَهُ ثَلاَثَةُ أَنْوَار: نُورٌ مِنْ رَأْسِهِ، وَنُورٌ مِنْ وَسَطِهِ، وَنُورٌ مِنْ رِجْلَيْه، فَهَالَنَا ذَلِك؛
[ ٦٤٠ ]
فَأَفَاقَ ﵀؛ فَقُلْنَا: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ ٠٠؟
قَال: صَالِحٌ [أَيْ بخَير] فَقِيل: لَقَدْ رَأَيْنَا شَيْئًَا هَالَنَا؛ قَال: وَمَا هُوَ ٠٠؟
قُلْنَا: أَنوَارٌ سَطَعَتْ مِنْك؛ قَال: وَقَدْ رَأَيْتُمْ ذَلِك ٠٠؟
قَالُواْ: نَعَمْ؛ قَال: تِلْكَ تَنْزِيلُ السَّجْدَة، وَهِيَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ آيَة، سَطَعَ أَوَّلُهَا مِنْ رَأْسِي، وَوَسَطُهَا مِنْ وَسَطِي، وَآخِرُهَا مِنْ قَدَمَيَّ، وَقَدْ صُوِّرَتْ تَشْفَعُ لي» ٠
ـ مِن أَقْوَالِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ الله:
قَالَ مُطَرِّف:
[ ٦٤١ ]
«إِنَّ هَذَا المَوْتَ قَدْ أَفْسَدَ عَلَى أَهْلِ النَّعِيمِ نَعِيمَهُمْ؛ فَاطْلُبُواْ نَعِيمًَا لاَ مَوْتَ فِيه» ٠
حَدَّثَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَال:
«لَقَدْ كَادَ خَوْفُ النَّارِ يَحُولُ بَيْني وَبَيْنَ أَن أَسْأَلَ اللهَ الجَنَّة» ٠
قَالَ محَمَّدُ بْنُ وَاسِع: «كَانَ مُطَرِّفٌ يَقُول: اللَّهُمَّ ارْضَ عَنَّا؛ فَإِنْ لَمْ تَرْضَ عَنَّا فَاعْفُ عَنَّا؛ فَإِنَّ المَوْلىَ قَدْ يَعْفُو عَن عَبْدِهِ وَهُوَ عَنهُ غَيْرُ رَاضٍ» ٠
[ ٦٤٢ ]
قَالَ مُطَرِّفٌ لِبَعْضِ إِخْوَانِه: «يَا أَبَا فُلاَن؛ إِذَا كَانَتْ لَكَ حَاجَة؛ فَلاَ تُكَلِّمْني وَاكْتُبْهَا في رُقْعَة؛ فَإِنيِّ أَكْرَهُ أَن أَرَى في وَجْهِكَ ذُلَّ السُّؤَال» ٠
ـ فِكْرُهُ وَعَقْلُه:
حَدَّثَ مُطَرِّفٌ قَال: «كُنَّا نَأْتي زَيْدَ بْنَ صُوحَان، فَكَانَ يَقُول: يَا عِبَادَ الله؛ أَكْرِمُواْ وَأَجْمِلُواْ؛ فَإِنَّمَا وَسِيلَةُ العِبَادِ إِلىَ اللهِ بِخَصْلَتَيْن: الخَوْفِ وَالطَّمَع ٠٠
[ ٦٤٣ ]
فَأَتَيْتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ كَتَبُواْ كِتَابًَا، فَنَسَّقُواْ كَلاَمًَا مِن هَذَا النَّحْو: إِنَّ اللهَ رَبُّنَا، وَمحَمَّدٌ نَبيُّنَا، وَالقُرْآنُ إِمَامُنَا، وَمَنْ كَانَ مَعَنَا كُنَّا وَكُنَّا، وَمَن خَالَفَنَا كَانَتْ يَدُنَا عَلَيْه، وَكُنَّا وَكُنَّا ٠٠
فَجَعَلَ يُعْرَضُ الكِتَابُ عَلَيْهِمْ رَجُلًا رَجُلًا فَيَقُولُون: أَقْرَرْتَ يَا فُلاَن ٠٠؟
حَتىَّ انْتَهَوْا إِلَيَّ فَقَالُواْ: أَقْرَرْتَ يَا غُلاَمُ ٠٠؟
قُلْتُ لاَ؛ قَالَ زَيْدُ بْنُ صُوحَان: لاَ تَعْجَلُواْ عَلَى الغُلاَم، مَا تَقُولُ يَا غُلاَم ٠٠؟
[ ٦٤٤ ]
قُلْتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ أَخَذَ عَلَيَّ عَهْدًَا في كِتَابِهِ؛ فَلَن أُحْدِثَ عَهْدًَا سِوَى العَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيّ؛ فَرَجَعَ القَوْمُ مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ مَا أَقَرَّ مِنهُمْ أَحَد، وَكَانُواْ زُهَاءَ ثَلاَثِينَ نَفْسًَا» ٠
أَرَادَ ﵀ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَلاَ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِين (
﴿الأَعْرَاف/١٧٢﴾
[ ٦٤٥ ]
قَالَ العِجْلِيّ: «كَانَ ثِقَةً، لَمْ يَنْجُ بِالْبَصْرَةِ مِنْ فِتْنَةِ ابْنِ الأَشْعَثِ إِلاَّ هُوَ وَابْنُ سِيرِين، وَلَمْ يَنْجُ مِنهَا بِالْكُوفَةِ إِلاَّ خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ» ٠
حَدَّثَ أَبُو عَقِيلٍ بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ قَال:
«قُلْتُ لِيَزِيدَ بْنِ الشِّخِّير: مَا كَانَ مُطَرِّفٌ يَصْنَعُ إِذَا هَاجَ النَّاسُ ٠٠؟
قَال: يَلْزَمُ قَعْرَ بَيْتِهِ وَلاَ يَقْرَبُ لَهُمْ جُمُعَةً وَلاَ جَمَاعَةً حَتىَّ تَنْجَلِي» ٠
قَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلاَل:
[ ٦٤٦ ]
«أَتَتِ الحَرُورِيَّةُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَدْعُونَهُ إِلىَ رَأْيِهِمْ فَقَال: يَا هَؤُلاَء؛ لَوْ كَانَ لي نَفْسَان: بَايَعْتُكُمْ بِإِحْدَاهُمَا، وَأَمْسَكْتُ الأُخْرَى؛ فَإِنْ كَانَ الَّذِي تَقُولُونَ هُدَىً؛ أَتْبَعْتُهَا الأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ ضَلاَلَةً؛ هَلَكَتْ نَفْسٌ وَبَقِيَتْ لي نَفْس، وَلَكِن هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ لاَ أُغِرِّرُ بِهَا» ٠
حَدَّثَ حَمَّادُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبي هِنْدٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵀ أَنَّهُ قَال:
[ ٦٤٧ ]
«لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَصْعَدَ فَيُلْقِي نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ وَيَقُول: قَدَّرَ لي رَبيِّ، وَلَكِنْ يحْذَرُ وَيجْتَهِدُ وَيَتَّقِي، فَإِن أَصَابَهُ شَيْء: عَلِمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَه» ٠
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال:
«مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك» ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامَينِ ابْنِ مَاجَةَ وَأَبي دَاوُدَ بِرَقْمَيْ: ٧٧، ٤٧٠٠]
[ ٦٤٨ ]