هُوَ الإِمَامُ الحَافِظُ شَيْخُ المُحَدِّثِينَ أَبُو زَكَرِيَّا يحْيىَ بْنُ مَعِينِ بْنِ عَوْنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ بِسْطَامَ المُرِّيّ ٠
وُلِدَ سَنَةَ ١٥٨ هـ، وَتُوُفِّيَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ سَنَةَ ٢٣٣ هـ ٠
ـ أَشْهَرُ شُيُوخِهِ:
وَسَمِعَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَك، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، وَغُنْدَر، وَوَكِيعٍ، وَيحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان، وَعَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ مَهْدِيّ، وَعَفَّانَ بْنِ مُسْلِم، وَعَبْدِ الرَّزَّاق، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَان، وَعَبَّادِ بْنِ عَبَّاد، وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِير، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاش، وَأَبي حَفْصٍ الأَبَّار، وَخَلْقٍ بِالعِرَاقِ وَالحِجَازِ وَمِصْرَ وَالشَّام
[ ١١٨٥ ]
ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَتِه:
رَوَى عَنهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، وَالبُخَارِيّ، وَمُسْلِم، وَأَبُو دَاوُد، وَأَبُو زُرْعَة، وَأَبُو حَاتمٍ الرَّازِي، وَأَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، وَعَبَّاسٌ الدُّورِيّ، وَأَبُو بَكْرٍ الصَّاغَانيّ، وَصَالِحُ بْنُ محَمَّدِ جَزَرَة، وَأَبُو
[ ١١٨٦ ]
بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ المَرْوَزِيّ، وَمحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبي شَيْبَة، وَإِسْحَاقُ الْكَوْسَج، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل، وَجَعْفَرٌ الْفِرْيَابيّ، وَمُوسَى بْنُ هَارُون، وَأَحْمَدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ التَّمَّار، وَأَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الصُّوفِيّ، وَخَلاَئِق ٠
ـ نُبْذَةٌ عَنْ نَشْأَتِهِ وَرِحْلَتِهِ في طَلَبِ الْعِلْمِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
[ ١١٨٧ ]
قَالَ عَنهُ شَيْخٌ مِنْ قَرَابَتِهِ: «كَانَ مَعِينٌ عَلَى خَرَاجِ الرَّيِّ فَمَات؛ فَخَلَّفَ لِيحْيىَ ابْنِهِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَم؛ أَنْفَقَهَا كُلَّهَا عَلَى الحَدِيثِ حَتىَّ لَمْ يَبْقَ لَهُ نَعلٌ يَلْبَسُه» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ كِتَابَتِهِ وَتَدْوِينِهِ لأَحَادِيثِ النَّبيِّ ﷺ:
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «كَتَبَ الْعِلْمَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَة» ٠
قَالَ محَمَّدُ بْنُ سَعْد:
[ ١١٨٨ ]
«يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ أَكْثَرَ مِنْ كِتَابَةِ الحَدِيثِ وَعُرِفَ بِهِ، وَكَانَ لاَ يَكَادُ يُحَدِّث» ٠
وَجَاءَ في «تَارِيخ دِمَشْقَ» مِنْ طَرِيقِ محَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«كَتَبْتُ بِيَدِي أَلْفَ أَلْفِ حَدِيث» ٠
حَدَّثَ أَبُو الحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ عَن عَلِيِّ بْنِ المَدِينيِّ [شَيْخِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ] عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«لاَ نَعْلَمُ أَحَدًَا مِنْ لَدُن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَتَبَ مِنَ الحَدِيثِ مَا كَتَبَ يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه» ٠
[ ١١٨٩ ]
حَدَّثَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«لَوْ لَمْ نَكْتُبِ الحَدِيثَ خَمْسِينَ مَرَّةً مَا عَرَفْنَاه» ٠
قَالَ مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى: «كَانَ يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ يَكْتُبُ الحَدِيثَ نَيِّفًَا وَخَمْسِينَ مَرَّةً» ٠
حَدَّثَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«لَوْ لَمْ نَكْتُبِ الحَدِيثَ مِنْ ثَلاَثِينَ وَجْهًَا، مَا عَقَلْنَاه» ٠٠ أَيْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَة ٠
[ ١١٩٠ ]
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ محَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«كَتَبْتُ بِيَدِي أَلْفَ أَلفِ حَدِيث، وَكُلُّ حَدِيثٍ لاَ يُوجَدُ هَا هُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلىَ أَسْفَاطِ - أَيْ جَوَالِق - فَهُوَ كَذِب» ٠
حَدَّثَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الحَافِظُ عَن أَبي عَبْدِ اللهِ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَن أَبِيهِ قَال: «خَلَّفَ يحْيىَ مِنَ الْكُتُبِ مِاْئَةَ قِمَطْر، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ قِمَطْرًَا، وَأَرْبَعَةَ حِبَابٍ شَرَابِيَّةٍ مَمْلُوءةٍ كُتُبًَا» ٠
[الْقِمَطْر: شَيْءٌ كَالصُّنْدُوقِ تُصَانُ فِيهِ الْكُتُب، وَالحِبَابُ الشَّرَابِيَّةُ أَظُنُّهَا الجَوَالِقُ الصُّوف]
[ ١١٩١ ]
حَدَّثَ عَبْدُ المُؤْمِنِ عَنْ صَالِحٍ جَزَرَةَ ﵀ قَال:
«ذُكِرَ لي أَنَّ يحْيىَ بْنَ مَعِينٍ خَلَّفَ مِنَ الْكُتُبِ ثَلاَثِينَ قِمَطْرًَا وَعِشْرِينَ حُبًَّا؛ فَطَلَبَ يحْيىَ بْنُ أَكْثَمَ كُتُبَهُ بِمائَتيْ دِينَار؛ فَلَمْ يَدَعْ أَبُو خَيْثَمَةَ أَنْ تُبَاع» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ جَوْدَةِ حِفْظِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
[ ١١٩٢ ]
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبي مَهْزُولٍ عَنْ محَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ عَن عَمْرٍو النَّاقِدِ قَال:
«مَا كَانَ في أَصْحَابِنَا أَعْلَمَ بِالإِسْنَادِ مِنْ يحْيىَ؛ مَا قَدَرَ أَحَدٌ يَقْلِبَ عَلَيْهِ إِسْنَادًَا قَطّ» ٠
حَدَّثَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«حَضَرْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ بِمِصْر؛ فَجَعَلَ يَقْرَأُ كِتَابًَا صَنَّفَهُ فَقَال: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ عَنِ ابْنِ عَوْن، وَذَكَرَ أَحَادِيث؛ فَقُلْتُ: لَيْسَ ذَا عَنِ ابْنِ المُبَارَك؛ فَغَضِبَ وَقَال: تَرُدُّ
[ ١١٩٣ ]
عَلَيَّ ٠٠؟
قُلْتُ: إِي وَاللهِ؛ أُرِيدُ زَيْنَك؛ فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ؛ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ لاَ يَرْجِعُ قُلْتُ: لاَ وَاللهِ؛ مَا سَمِعْتَ هَذِهِ مِن ابْنِ المُبَارَك، وَلاَ سَمِعَهَا هُوَ مِن ابْنِ عَوْنٍ قَطّ؛ فَغَضِبَ وَغَضِبَ مَنْ كَانَ عِنْدَه، وَقَامَ فَدَخَلَ فَأَخْرَجَ صَحَائِفَ، فَجَعَلَ يَقُولُ وَهِيَ بِيَدِهِ: أَيْنَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ يحْيىَ بْنَ مَعِينٍ لَيْسَ بِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ في الحَدِيث ٠٠؟
[ ١١٩٤ ]
نَعَمْ يَا أَبَا زَكَرِيَّا ٠٠ غَلِطْت، وَإِنَّمَا رَوَى هَذِهِ الأَحَادِيثَ غَيْرُ ابْنِ المُبَارَكِ عَنِ ابْنِ عَوْن» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ مَدَى تَوْثِيقِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ عَنهُ الإِمَامُ النَّسَائِيّ: «أَبُو زَكَرِيَّا أَحَدُ الأَئِمَّةِ في الحَدِيث، ثِقَةٌ مَأْمُون» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ ذَكَائِهِ وَحُسْنِ اسْتِيعَابِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:
حَدَّثَ أَبُو الحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ عَن عَلِيِّ بْنِ المَدِينيِّ [شَيْخِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ] عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
[ ١١٩٥ ]
«مَا رَأَيْتُ يحْيىَ اسْتَفْهَمَ حَدِيثًَا قَطُّ وَلاَ رَدَّه» ٠
ـ قَالُواْ عَنْ تَمَكُّنِهِ في عُلُومِ الحَدِيثِ وَعِلَلِه، وَمَعْرِفَتِهِ بِالرِّجَال:
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «كَانَ أَعْلَمَنَا بِالرِّجَال: يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ ﵀، وَأَحْفَظَنَا لِلأَبْوَاب: سُلَيْمَانُ الشَّاذَكُونيّ، وَأَحْفَظَنَا لِلطِّوَال: عَلِيُّ بْنُ المَدِينيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا» ٠
[الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٨٧/ ١١]
[ ١١٩٦ ]
حَدَّثَ يحْيىَ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ حَيَّوَيْهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ إِسْحَاقَ عَن هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ قَال:
«قَدِمَ عَلَيْنَا شَيْخٌ؛ فَبَكَّرْتُ عَلَيْه؛ فَسَأَلْنَاهُ أَنْ يُمْلِيَ عَلَيْنَا؛ فَأَخَذَ الْكِتَاب، وَإِذَا الْبَابُ يُدَقّ؛ فَقَالَ الشَّيْخ: مَن هَذَا ٠٠؟
قَال: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل؛ فَأَذِنَ لَهُ، وَالشَّيْخُ عَلَى حَالَتِهِ لَمْ يَتَحَرَّكْ، فَإِذَا آخَرُ يَدُقُّ الْبَاب؛ فَقَال: مَنْ ذَا ٠٠؟
[ ١١٩٧ ]
قَال: أَحْمَدُ الدَّوْرَقِيّ؛ فَأَذِنَ لَهُ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ، ثمَّ ابْنُ الرُّومِيِّ فَكَذَلِك، ثمَّ أَبُو خَيْثَمَةَ فَكَذَلِك، ثُمَّ دُقَّ الْبَاب؛ فَقَال: مَنْ ذَا ٠٠؟
قَال: يحْيىَ بْنُ مَعِين؛ فَرَأَيْتُ الشَّيْخَ ارْتَعَدَتْ يَدُهُ وَسَقَطَ مِنهُ الْكِتَاب» ٠
ـ قَالَ عَنِهُ أَبُو حَاتمٍ الرَّازِي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
حَدَّثَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الهَمَذَانيُّ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمْدَانَ عَن أَبي حَاتمٍ الرَّازِي قَال:
[ ١١٩٨ ]
«إِذَا رَأَيْتَ الْبَغْدَادِيَّ يُحِبُّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَل؛ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّة ٠٠
وَإِذَا رَأَيْتَهُ يُبْغِضُ يحْيىَ بْنَ مَعِين؛ فَاعلَمْ أَنَّهُ كَذَّاب» ٠
وَقَالَ محَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْفَلاَّس: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقَعُ في يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه؛ فَاعْلَمْ أَنَّهُ كَذَّابٌ يَضَعُ الحَدِيث؛ وَإِنَّمَا يُبْغِضُهُ لِمَا يُبَيِّنُ مِن أَمْرِ الْكَذَّابين» ٠
ـ قَالَ عَنِهُ يحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
[ ١١٩٩ ]
حَدَّثَ عُبَيْدُ اللهِ القَوَارِيرِيُّ عَنْ يحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَنَّهُ قَال:
«مَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِثْلُ هَذَيْن: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل، وَيحْيىَ بْنُ مَعِين» ٠
ـ ثَنَاءُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ عَلَيْه:
حَدَّثَ عَبْدُ الخَالِقِ عَن أَبي عَمْرٍو عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَنَّهُ قَال:
«السَّمَاعُ مِنْ يحْيىَ بْنِ مَعِين: شِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُور» ٠
[ ١٢٠٠ ]
حَدَّثَ أَبُو مُقَاتِلٍ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَنَّهُ قَال:
«هَا هُنَا رَجُلٌ خَلَقَهُ اللهُ لِهَذَا الشَّأْن، يُظْهِرُ كَذِبَ الْكَذَّابين» ٠٠ يَعْني: يحْيىَ بْنَ مَعِين ٠
حَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ محَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَنَّهُ قَال:
«كُلُّ حَدِيثٍ لاَ يَعْرِفُهُ يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ فَلَيْسَ هُوَ بِحَدِيث» ٠
ـ ثَنَاءُ عَلِيِّ بْنِ المَدِينيِّ [شَيْخِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ] ﵀ عَلَيْه:
[ ١٢٠١ ]
قَالَ عَنهُ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيّ [شَيْخُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ] عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: «مَا رَأَيْتُ في النَّاسِ مِثْلَه»
حَدَّثَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُرِّيُّ عَن أَحْمَدَ بْنِ يحْيىَ الجَارُودِ عَن عَلِيِّ بْنِ المَدِينيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ
سَعِيدَ بْنَ أَبي عَرُوبَة، وَمَعْمَرًَا، وَشُعْبَة، وَحَمَّادَ بْنَ سَلَمَة، وَسُفْيَانَ الثَِّوْرِيّ، وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَة، وَمَالِكًَا، وَالأَوْزَاعِيّ، وَابْنَ إِسْحَاقَ السّبِيعِيّ، وَهُشَيْمَ بْنَ بَشِير، وَأَبَا عَوَانَة، وَيحْيىَ بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّان، وَيحْيىَ بْنَ أَبي
[ ١٢٠٢ ]
زَائِدَة، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَك، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيّ، وَيحْيىَ بْنَ آدَمَ وَقَال: صَارَ عِلْمُ هَؤُلاَءِ جَمِيعِهِمْ إِلىَ يحْيىَ بْنِ مَعِين» ٠
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبي شَيْبَةَ عَن عَلِيِّ بْنِ المَدِينيِّ [شَيْخِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ] قَال:
«كُنْتُ إِذَا قَدِمْتُ إِلىَ بَغْدَادَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَة: كَانَ الَّذِي يُذَاكِرُني أَحْمَد، فَرُبَّمَا اخْتَلَفْنَا في الشَّيْء؛ فَنَسْأَلُ أَبَا زَكَرِيَّا، فَيَقُومُ فَيُخْرِجَهُ، مَا كَانَ أَعْرَفَهُ» ٠
[ ١٢٠٣ ]
ـ قَالُواْ في المُفَاضَلَةِ بَيْنَهُ وَبَينَ عَلِيِّ بْنِ المَدِينيِّ [شَيْخِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ] ﵀ عَلَيْه:
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيّ:
«قُلْتُ لأَبي دَاوُد: أَيُّمَا أَعْلمُ بِالرِّجَال: يحْيىَ بْنُ مَعِين، أَوْ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيّ ٠٠؟
قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: يحْيىَ بْنُ مَعِين» ٠
ـ قَالُواْ في المُفَاضَلَةِ بَيْنَهُ وَبَينَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
قَالَ عَبْدُ المُؤْمِنِ النَّسَفِيّ:
[ ١٢٠٤ ]
«سَأَلْتُ صَالِحَ بْنَ محَمَّدٍ [جَزَرَة]: مَن أَعْلَمُ بِالحَدِيث: يحْيىَ بْنُ مَعِين، أَوْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل؟
فَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: أَحْمَدُ أَعْلَمُ بِالفِقْهِ وَالاِخْتِلاَف، وَأَمَّا يحْيىَ: فَأَعْلَمُ بِالرِّجَالِ وَالكُنىَ» ٠
ـ قَالُواْ في الثَّلاَثَةِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ:
رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي زِيَادٍ الْقَطَوَانيُّ عَن أَبي عُبَيْدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَال:
[ ١٢٠٥ ]
«انْتَهَى الحَدِيثُ إِلىَ أَرْبَعَة: أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل؛ وَهُوَ أَفْقَهُهُمْ فِيه، وَإِلىَ يحْيىَ بْنِ مَعِين؛ وَهُوَ أَكْتَبُهُمْ لَه، وَإِلىَ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيّ؛ وَهُوَ أَعْلَمُهُمْ بِه، وَإِلىَ أَبي بَكْرٍ بْنِ أَبي شَيْبَة؛ وَهُوَ أَحْفَظُهُمْ لَه» ٠
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن أَبي عُبَيْدٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَنَّهُ قَال:
«وَإِلىَ يحْيىَ بْنِ مَعِين، وَهُوَ أَعْلَمُهُمْ بِصَحِيحِهِ وَسَقِيمِه» ٠
رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الأَشْيَبِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ قَال:
[ ١٢٠٦ ]
«كَانَ أَحْمَدُ وَيحْيىَ وَعَلِيٌّ عِنْدَ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ أَوْ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْب؛ فَأَتىَ بِصَكٍّ فَشَهِدُواْ فِيه، وَكَتَبَ يحْيىَ فِيه؛ فَقَالَ عَفَّان: أَمَّا أَنْتَ يَا أَحْمَد: فَضَعِيفٌ في إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، وَأَمَّا أَنْتَ يَا عَلِيّ: فَضَعِيفٌ في حَمَّادِ بْنِ زَيْد، وَأَمَّا أَنْتَ يَا يحْيىَ: فَضَعِيفٌ في ابْنِ المُبَارَك؛ فَقَالَ يحْيىَ: وَأَمَّا أَنْتَ يَا عَفَّان: فَضَعِيفٌ في شُعْبَة» ٠٠ وَالضَّعْفُ هُنَا لَيْسَ ضَعْفَ الإِسْنَاد، وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْفُ التَّمَكُّن
[ ١٢٠٧ ]
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ مُعَلِّقًَا: «كُلٌّ مِنهُمْ صَغِيرٌ في شَيْخِهِ ذَلِكَ وَمُقِلٌّ عَنه»
ـ ذَبُّهُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ عَن أَحَادِيثِ النَّبيِّ ﷺ:
وَلَمْ يَسْتَثْنِ في الذَّبِّ عَن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًَا مِنَ النَّقْدِ حَتىَّ شُيُوخَهُ ٠٠
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيّ: خَرَجْتُ مَعَ أَحْمَدَ وَيحْيىَ إِلىَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ خَادِمًَا لَهُمَا، فَلَمَّا عُدْنَا إِلىَ الْكُوفَةِ قَالَ يحْيىَ بْنُ مَعِين: أُرِيدُ أَن
[ ١٢٠٨ ]
أَخْتَبِرَ أَبَا نُعَيْم؛ فَقَالَ لَهُ الإِمَامُ أَحْمَد: لاَ تُرِدْ، فَالرَّجُلُ ثِقَة؛ قَالَ يحْيىَ: لاَ بُدَّ لي؛ فَأَخَذَ وَرَقَةً فَكَتَبَ فِيهَا ثَلاَثِينَ حَدِيثًَا، وَجَعَلَ عَلَى رَأْسِ كُلِّ عَشرَةٍ مِنهَا حَدِيثًَا لَيْسَ مِن حَدِيثِه، ثمَّ إِنَّهُمْ جَاؤُواْ إِلىَ أَبي نُعَيْم، فَخَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى دُكَّانِهِ، وَأَخَذَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَيحْيىَ عَنْ يَسَارِهِ، وَجلَسْتُ أَسْفَلَ الدُّكَّان ٠
[ ١٢٠٩ ]
ثُمَّ أَخْرَجَ يحْيىَ الطَّبَقَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ عَشْرَةَ أَحَادِيث، فَلَمَّا قَرَأَ الحَادِيَ عَشَرَ قَالَ أَبُو نُعَيْم: لَيْسَ هَذَا مِن حَدِيثي؛ اضْرِبْ عَلَيْه [أَيِ امْحُهُ]، ثُمَّ قَرَأَ الْعُشْرَ الثَّاني، وَأَبُو نُعَيْمٍ سَاكِت، فَقَرَأَ الحَدِيثَ الثَّانيَ فَقَالَ أَبُو نُعَيْم: لَيْسَ هَذَا مِن حَدِيثِي؛ فَاضْرِبْ عَلَيْه [أَيِ امْحُهُ]، ثُمَّ قَرَأَ الْعُشْرَ الثَّالِثَ فَلَمَّا قَرَأَ الحَدِيثَ الحَادِيَ عَشَرَ تَغيَّرَ أَبُو نُعَيْمٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَانقَلَبَتْ عَيْنَاه، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى يحْيىَ فَقَال: أَمَّا
[ ١٢١٠ ]
هَذَا وَأَشَارَ إِلىَ أَحْمَد: فَأَوْرَعُ مِن أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا هَذَا [يُرِيدُني] فَأَقَلُّ مِن أَنْ يَفْعَلَ ذَاك، وَلَكِن هَذَا مِنْ فِعْلِكَ يَا مخْبَثَان، وَأَخْرَجَ رِجْلَهُ فَرَفَسَ يحْيىَ فَرَمَى بِهِ مِنَ الدُّكَّان» ٠
فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ لِيَحْيىَ: أَلَمْ أَمْنَعْكَ وَأَقُلْ لَكَ إِنَّهُ ثَبْت؛ قَالَ يحْيىَ بْنُ مَعِين:
وَاللهِ لَرَفْسَتُهُ لي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَفْرَتي» ٠
[ ١٢١١ ]
لأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثَبْتٌ وَأَنيِّ عَلَى الخَبِيرِ سَقَطْت، وَأَنَّ سَفَرِي لَمْ يَكُن هَبَاءً ٠
ـ قَالُواْ عَنْ وَرَعِهِ في حَدِيثِهِ وَحُكْمِهِ عَلَى الرِّجَالِ في غَيرِ تَعَنُّت عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:
حَدَّثَ ابْنُ الْغَلاَبيِّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ قَال:
«إِنيِّ لأُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ فَأَسْهَرُ لَهُ؛ مَخَافَةَ أَن أَكُونَ قَدْ أَخطَأْتُ فِيه» ٠
حَدَّثَ عَبْدُ الخَالِقِ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ الرُّومِيِّ أَنَّهُ قَال:
[ ١٢١٢ ]
«مَا رَأَيْتُ أَحَدًَا قَطُّ يَقُولُ الحَقَّ في المَشَايِخِ غَيْرَ يحْيىَ بْنِ مَعِين، وَغَيْرُهُ كَانَ يَتَحَامَلُ بِالقَوْل» ٠
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ الجُنَيْدِ: سَمِعْتُ يحْيىَ بْنَ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ يَقُول:
«إِنَّا لَنَطْعَنُ عَلَى أَقْوَامٍ؛ لَعَلَّهُمْ قَدْ حَطُّواْ رِحَالَهُمْ في الجَنَّةِ مِن أَكْثَرَ مِنْ مِاْئَةِ سَنَة» ٠
أَيْ يَتَأَثَّمُ لِكَلاَمِهِ بِالجَرْحِ وَالتَّضْعِيفِ عَن أُنَاسٍ لَعَلَّهُمْ أَكْثَرُ مِنهُ صَلاَحًَا وَأَتْقَى مِنهُ لله؛ لَوْلاَ أَمَانَةُ الذَّبِّ عَنْ سُنَّةِ
[ ١٢١٣ ]
النَّبيِّ ﷺ وَطَرْحِ الزَّيْفِ عَنهَا مَا قَالَ في حَقِّهِمْ شَيْئًَا ٠
قَالَ ابْنُ مَهْرَوَيْهِ ﵀: «دَخَلْتُ عَلَى أَبي حَاتِمٍ الرَّازِي وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ كِتَابَ «الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل»؛ فَحَدَّثْتُهُ بِهَذِهِ الحِكَايَة؛ فَبَكَى وَارْتَعَدَتْ يَدَاهُ حَتىَّ سَقَطَ الْكِتَابُ مِنْ يَدِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَسْتَعِيدُني الحِكَايَة» ٠
قَالَ هَارُونُ بْنُ بَشِيرٍ الرَّازِي: «رَأَيْتُ يحْيىَ بْنَ مَعِينٍ اسْتَقبَلَ الْقِبْلَةَ رَافِعًَا يَدَيْهِ يَقُول:
[ ١٢١٤ ]
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ تَكَلَّمْتُ في رَجُلٍ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي كَذَّابًَا؛ فَلاَ تَغْفِرْ لي» ٠
ـ نُبْلُ أَخْلاَقِهِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه:
قَالَ يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ قَال:
«مَا رَأَيْتُ عَلَى رَجُلٍ خَطَأً إِلاَّ سَتَرتُهُ وَأَحْبَبْتُ أَن أُزَيِّنَ أَمْرَه، وَمَا اسْتَقبَلْتُ رَجُلًا في وَجْهِهِ بِأَمْرٍ يَكْرَهُه، وَلَكِن أُبَيِّنُ لَهُ خَطَأَهُ فِيمَا بَيْني وَبَيْنَهُ؛ فَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ وَإِلاَ تَرَكْتُهُ» ٠
[ ١٢١٥ ]
حَدَّثَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيلٍ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ قَال:
«أَخْطَأَ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ في نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًَا، مَا أَعْلَمْتُ بِهَا أَحَدًَا، وَأَعْلَمتُه سِرًَّا، وَلَقَدْ طَلَبَ إِلَيَّ خَلَفُ بْنُ سَالِمٍ أَن أُخْبِرَهُ بِهَا فَمَا عَرَّفتُه؛ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَجِدَ عَلَيْه» ٠
ـ بَعْضُ نَوَادِرِهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ:
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
[ ١٢١٦ ]
«أَشْتَهِي أَن أَقَعَ عَلَى شَيْخٍ ثِقَة، عِنْدَهُ بَيْتٌ مُلِئَ بِكُتُب، أَكْتُبُ عَنهُ وَحْدِي» ٠
رَوَى الأَبَّارُ في «تَارِيخِهِ» عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ قَال:
«كَتَبْنَا عَنِ الْكَذَّابِينَ وَسَجَرْنَا بِهِ التَّنُّور، وَأَخْرَجْنَا بِهِ خُبْزًَا نَضِيجًَا» ٠
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبي عُثْمَان: «كُنَّا عِنْدَ يحْيىَ بْنِ مَعِين؛ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مُستَعجِلٌ فَقَال: يَا أَبَا زَكَرِيَّا؛ حَدِّثْني بِشَيْءٍ أَذْكُرْكَ بِه؛ فَقَالَ يحْيىَ: اذْكُرْني أَنَّكَ سَأَلْتَني أَن أُحَدِّثَكَ
[ ١٢١٧ ]
فَلَمْ أَفْعَلْ»
حَدَّثَ الحَاكِمُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْبَكْرِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ الطَّيَالِسِيِّ قَال: «صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيحْيىَ بْنُ مَعِينٍ في مَسْجِدِ الرُّصَافَة، فَقَامَ قَاصٌّ فَقَال:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيحْيىَ بْنُ مَعِينٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ أَنَسٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله: خَلَقَ اللهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ
[ ١٢١٨ ]
مِنهَا طَيْرًَا، مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَب، وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَان ٠٠٠ إِلخ» ٠٠ وَأَخَذَ في قِصَّةٍ نَحْوَ عِشْرِينَ وَرَقَة
فَجَعَلَ أَحْمَدُ يَنْظُرُ إِلىَ يحْيىَ، وَيحْيىَ يَنْظُرُ إِلىَ أَحْمَدَ وَهُمَا يَقُولاَن: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا إِلاَّ السَّاعَة؛ فَسَكَتَا حَتىَّ فَرَغَ مِنْ قَصَصِهِ، وَأَخَذَ قِطَاعَهُ [أَيِ الْغَلَّةَ وَالتَّمْر]، ثُمَّ قَعَدَ يَنْتَظِرُ بِقُبَّتِهَا، فَأَشَارَ إِلَيْهِ يحْيىَ؛ فَجَاءَ مُتَوَهِّمًَا لِنَوَالٍ مِنهُ، فَقَال: مَن حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيث ٠٠؟
[ ١٢١٩ ]
فَقَال: أَحْمَدُ وَيحْيىَ بْنُ مَعِين؛ فَقَال: أَنَا يحْيىَ وَهَذَا أَحْمَد، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطّ، فَإِنْ كَانَ وَلاَ بُدَّ مِنَ الْكَذِبِ فَعَلَى غَيْرِنَا؛ فَقَال: أَنْتَ يحْيىَ بْنُ مَعِين ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ؛ قَال: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يحْيىَ بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقُ وَمَا عَلِمْتُ إِلاَّ السَّاعَة، كَأَنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيَا يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ غَيرَكُمَا؛ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيحْيىَ بْنَ مَعِين؛ فَوَضَعَ أَحْمَدُ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ [أَيْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ
[ ١٢٢٠ ]
الضَّحِكُ] وَقَال: دَعْهُ يَقُوم؛ فَقَامَ كَالمُستَهْزِئِ مِنهُمَا»
ـ مِن أَقْوَالِهِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
حَدَّثَ نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ محَمَّدِ بْنِ يحْيىَ الذُّهْلِيِّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ أَنَّهُ قَال:
«الذَّبُّ عَنِ السُّنَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الجِهَادِ في سَبِيلِ الله؛ فَقِيلَ لِيَحْيىَ بْنِ يحْيىَ التَّمِيمِيّ: الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَهُ وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ وَيُجَاهِد؛ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنهُ ٠٠؟ [أَيْ أَفَصَاحِبُ الحَدِيثِ أَفْضَل ٠٠؟!]
قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: نَعَمْ بِكَثِير» ٠
[ ١٢٢١ ]
حَدَّثَ أَحْمَدُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمْحًَا في الحَدِيثِ كَانَ كَذَّابًَا؛ قِيل: كَيْفَ يَكُونُ سَمْحًَا ٠٠؟
قَالَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَه: إِذَا شَكَّ في حَدِيثِهِ تَرَكَه» ٠
ـ بَعْضٌ مِنْ فَتَاوَاه رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه:
حَدَّثَ ابْنُ الجُنَيْدِ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال: «تَحْرِيمُ النَّبِيذِ صَحِيحٌ وَلَكِن أَقِفُ وَلاَ أُحَرِّمُه؛ قَدْ شَرِبَهُ قَوْمٌ صَالِحُونَ بِأَحَادِيثَ صِحَاح، وَحَرَّمَهُ قَوْمٌ صَالِحُونَ بِأَحَادِيثَ صِحَاح»
[ ١٢٢٢ ]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الجُنَيْد:
«قُلْتُ لِيحْيىَ بْنِ مَعِين: تَرَى أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ في رَأْيِ الشَّافِعِيِّ وَأَبي حَنِيفَة ٠٠؟
قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: مَا أَرَى لأَحَدٍ أَنْ يَنْظُرَ في رَأْيِ الشَّافِعِيّ؛ يَنْظُرُ في رَأْيِ أَبي حَنِيفَةَ أَحَبُّ إِلَيّ»
وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ حَنَفِيَّ المَذْهَب - لَمْ يَطَّلِعْ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَلَى فِقْهِ الشَّافِعِيِّ وَفَتَاوَاه، وَكَلاَمَهُ في الأُصُول؛ وَإِلاَّ لَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُول، لاَ سِيَّمَا أَنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ كَانَ لاَ
[ ١٢٢٣ ]
يَزَالُ في بِدَايَةِ أَمْرِه، وَلَمْ يَكُ مَذْهَبُهُ قَدِ انْتَشَرَ بَعْدُ الاِنْتِشَارَ الَّذِي يَضَعُهُ في مَوْضِعِ مُقَارَنَةٍ بِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَبي حَنِيفَةَ، ثمَّ إِنَّ الرَّجُلَ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا في الرَّأْي؛ وَكُلُّنَا يَعْرِفُ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ إِمَامُ أَهْلِ الرَّأْيِ بِلاَ مُنَازِع
ـ بَعْضُ كَرَامَاتِه، في حَيَاتِهِ، وَخَبرُ وَفَاتِه، وَبَعْضُ مَنْ رَآهُ في مَنَامَاتِهِ:
حَدَّثَ الأَصَمُّ عَن عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
[ ١٢٢٤ ]
«كُنَّا بِقَريَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَنَا شَيْء، وَلاَ ثَمَّ شَيْءٌ نَشْتَرِيه؛ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، إِذَا نَحْنُ بِزِنْبِيلٍ مُلِئَ بِسَمَكٍ مَشْوِيّ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَحَد؛ فَسَأَلُوني؛ فَقُلْتُ: اقْتَسِمُوهُ وَكُلُوه؛ فَإِنيِّ أَظُنُّ أَنَّهُ رِزْقٌ رَزَقَكُمُ اللهُ تَعَالى» ٠
حَدَّثَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«كُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ مَنْزِلي بِاللَّيْلِ قَرَأْتُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عَلَى دَارِي وَعِيَاليَ خَمْسَ مَرَّات؛ فَبَيْنَا أَنَا أَقْرَأُ إِذَا شَيْءٌ
[ ١٢٢٥ ]
يُكَلِّمُني: كَمْ تَقرَأُ هَذَا ٠٠؟ كَأَنْ لَيْسَ إِنْسَانٌ يُحْسِنُ يَقْرَأُ غَيْرَك ٠٠؟
فَقُلْتُ: أَرَى هَذَا يَسُوؤُك ٠٠؟ وَاللهِ لأَزِيدَنَّك؛ فَصِرْتُ أَقرَؤُهَا في اللَّيْلَةِ خَمْسِينَ مَرَّة» ٠
حَدَّثَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ يحْيىَ الأَحْوَلِ عَنْ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ قَال:
«لَمَّا كَانَ الحُسَيْنُ بْنُ حِبَّانَ بِآخِرِ رَمَقٍ قَالَ لي: يَا أَبَا زَكَرِيَّا؛ أَتَرَى مَا مَكْتُوبٌ عَلَى الخَيْمَة؟
[ ١٢٢٦ ]
قُلْتُ: مَا أَرَى شَيْئًَا؛ قَال: بَلَى أَرَى مَكْتُوبًَا: «يحْيىَ بْنُ مَعِين: يَفْصِلُ بَيْنَ الظَّالِمِين» ٠٠
ثُمَّ خَرَجَتْ نَفْسُه» ٠
حَدَّثَ أَبُو نُعَيْمٍ عَن أَبي الشَّيْخِ عَن إِسْحَاقَ بْنِ بُنَانٍ عَن حُبَيْشِ بْنِ مُبَشِّرٍ قَال:
«كَانَ يحْيىَ بْنُ مَعِينٍ يَحُجُّ فَيَذْهَبُ إِلىَ مَكَّةَ عَلَى المَدِينَةِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا [أَيْ يَمُرُّ بِالمَدِينَةِ في الذَّهَابِ وَالْعَوْدَة] فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا: رَجَعَ عَلَى المَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً ثُمَّ خَرَج، حَتىَّ نَزَلَ المَنْزِلَ
[ ١٢٢٧ ]
مَعَ رُفَقَائِه، فَبَاتُواْ، فَرَأَى في النَّوْمِ هَاتِفًَا يَهْتِفُ بِهِ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا؛ أَتَرْغَبُ عَنْ جِوَارِي ٠٠؟
فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لِرُفَقَائِه: امْضُواْ فَإِنيِّ رَاجِعٌ إِلىَ المَدِينَة؛ فَمَضَوْا، وَرَجَعَ، فَأَقَامَ بِهَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ ثَلاَثًَا ثُمَّ مَات، فَحُمِلَ عَلَى أَعوَادِ النَّبيِّ ﷺ وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّاسُ وَجَعَلُواْ يَقُولُون: هَذَا الذَّابُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْكَذِب» ٠
[ ١٢٢٨ ]
قَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ ﵀: «مَاتَ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ فَحُمِلَ عَلَى أَعْوَادِ النَّبيِّ ﷺ وَنُودِيَ بَينَ يَدَيْه: هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الْكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ» ٠٠ وَدُفِنَ بِالْبَقِيع
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ كُزَالٍ في رِوَايَةٍ أُخْرَى:
«كُنْتُ مَعَ يحْيىَ بْنِ مَعِينٍ بِالمَدِينَة، فَمِرَضَ وَتُوُفِّيَ بِهَا، فَحُمِلَ عَلَى سَرِيرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَجُلٌ يُنَادِي بَيْنَ يَدَيْه: هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الْكَذِبَ عَن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» ٠
[ ١٢٢٩ ]
حَدَّثَ جَعْفَرُ بْنُ أَبي عُثْمَانَ وَالحُسَينُ بْنُ الخَصِيبِ عَن حُبَيْشِ بْنِ مُبَشِّرِ الْفَقِيهِ الثِّقَةِ قَال: «رَأَيْتُ يحْيىَ بْنَ مَعِينٍ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ في النَّوْم؛ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِك ٠٠؟
قَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: أَعْطَاني وَحَبَاني وَزَوَّجَني ثَلاَثَمِاْئَةِ حَوْرَاء، وَمَهَّدَ لي بَيْنَ النَّاس» ٠
[ ١٢٣٠ ]