• عن بريدة بن الحصين ﵁ قال: شهدتُ خيبر، وكنتُ فيمن صعد الثُّلمة، فقاتلتُ حتى رُئي مكاني، وعليَّ ثوبٌ أحمر، فما أعلم أني ركبتُ في الإسلام ذنبًا أعظمَ عليَّ منه - أي الشهرة.
قلت: بلى، جُهَّال زماننا يعدُّون اليومَ مثلَ هذا الفعل من أعظم الجهاد، وبكلِّ حالٍ فالأعمالُ بالنيّات، ولعل بريدةَ ﵁ بازدرائه على نفسه، يصيرُ له عملُه طاعةً وجهادًا! وكذلك يقعُ في العمل الصالح، رُبَّما افتخر به الغِرُّ ونَوَّهَ به، فيتحولُ إلى ديوان الرياء. قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. [السير (تهذيبه) ١/ ٢٩١].
• وعن ابن محيريز قال: صحبت فضالة بن عبيد ﵁ صاحب رسول الله ﷺ فقلت: أوصني رحمك الله، قال: أحفظ عني ثلاث خصال، ينفعك الله بهن؛ إن استطعت أن تعرف ولا تعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك فافعل. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٦٨].
• وعن أُسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب ﵀ إذا أتت عليه أمداد من أهل اليمن سألهم، فقال: هل فيكم أويس بن عامر القرني ﵀؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: أنت من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)، فاستغفر لي، فاستغفر له، فقال عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها فيستوصي بك، قال: لأن أكون في غبراء الناس أحب إلي، قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس كيف تركته؟ قال: رث البيت قليل المتاع، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن،
[ ٢٤٧ ]
كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) فلما قدم الكوفة أتى أويسًا فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي، قال: لقيت عمر؟ قال: نعم فاستغفر له ففطن له الناس فانطلق على وجهه، قال أُسير: وكسوته بردًا فكان إذا رآه إنسان عليه قال: من أين لأويس هذا البرد؟!. [رواه مسلم: ٢٥٤٢].
• وعن عبد الواحد بن موسى قال: سمعت ابن محيريز ﵀ يقول: اللهم إني أسألك ذكرًا خاملًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٦٧].
• وعن خالد بن دريك قال: كانت في ابن محيريز خصلتان ما كانتا في أحد ممن أدركت من هذه الأمة؛ كان أبعد الناس أن يسكت عن حق، بعد أن يتبين له حتى يتكلم فيه، غضب من غضب ورضي من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٧٠].
• وعن سهل بن منصور قال: كان بشر بن منصور ﵀ يصلي يومًا فأطال الصلاة ورأى رجلًا ينظر إليه ففطن له بشر، فقال للرجل: لا يعجبك ما رأيت مني، فإن إبليس قد عبد الله مع الملائكة كذا وكذا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣١].
• وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: قلت لبشر بن منصور: إنا لنجلس مجلس خير وبركة قال: نعم المجلس، قال: قلت له: إنه ربما لم يجلس إلي فكأني أغتم، قال: إن كنت تشتهي أن يجلس إليك؟! اترك هذا المجلس. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣١].
• وقال جعفر بن حيان: ذكر لمسلم بن يسار ﵀ قلّة التفاته في
[ ٢٤٨ ]
الصلاة، فقال: وما يدريكم أين قلبي؟. [صفة الصفوة ٣/ ١٦٩].
• وقال إبراهيم النخعي ﵀: إنْ كانوا ليكْرَهون إذا اجتمعوا أن يُخرج الرجل أحسن حديثه أو قال: أحسن ما عنده. [صفة الصفوة ٣/ ٦٠].
• وعن الأعمش قال: كان إبراهيم النخعي ﵀ يتوقى الشهرة، فكان لا يجلس إلى الأسطوانة، وكان إذا سئل عن مسألة لم يزد عن جواب مسألته. فأقول له في الشيء يسأل عنه، أليس فيه كذا وكذا؟ فيقول: إنه لم يسألني عن هذا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٨٩].
• وعن خلف بن حوشب؛ أن جوّابًا التميمي، كان يرتعد عند الذكر. فقال له إبراهيم النخعي: إن كنت تملكه فما أبالي أن لا أعتد بك، وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من هو خير منك. [الحلية (تهذيبه) ٥/ ٩٣].
• وعن إبراهيم النخعي والحسن البصري رحمهما الله قالا: كفى بالمرء شرًا أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصم الله! التقوى ها هنا، يومئ إلى صدره ثلاث مرات. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩٤].
• وعن عبد الرحمن بن يزيد، قُلنا لعلقمة ﵀: لو صلّيت في المسجد وجلسنا معك فُتسأل، قال: أكره أن يُقال: هذا علقمة. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٤٣].
• وقال أيوب السختياني ﵀: ذُكرت وما أحب أن أذكر. [صفة الصفوة ٣/ ٢١٠].
• وقال أيضًا ﵀: ما أحبَّ الله عبدًا إلا أحبّ ألاَّ يُشْعَر به. [عيون الأخبار ٢/ ٧٢٥].
• وقال أيضا ﵀: ما صدق عبدٌ قطُّ، فأحب الشهرة. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٢٦].
• وعن إبراهيم بن أدهم ﵀ قال: ما صدق الله عبدٌ أحبَّ الشُّهرة.
قال الذهبي ﵀: علامةُ المخلص الذي قد يحبُّ شهرةً، ولا يشعُرُ بها، أنه إذا عُوتِبَ في ذلك، لا يحرَدُ ولا يُبرِّئ نفسه. بل يعترِفُ، ويقول: رَحِمَ اللهُ مَنْ أهدى إليَّ عيوبي، ولا يكن معجبًا بنفسه، لا يشعرُ بعيوبها، بل
[ ٢٤٩ ]
لا يشعر أنه لا يشعر، فإن هذا داءٌ مُزمِن. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٠٨].
• وقال سفيان ﵀: أحب أن أعرف الناس ولا يعرفوني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٢٩].
• وقال الحسن: كنت مع عبد الله بن المبارك ﵀ يومًا فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزَحَموه ودفعوه فلما خرج قال لي: ما العيش إلاّ هكذا. يعني: حيث لم نُعْرَف ولم نُوقَّر. [صفة الصفوة ٤/ ٣٧٢].
• وقال عبدة بن سليمان المروزي: كنا سريَّةً مع ابن المبارك ﵀ في بلاد الروم، فصادفنا العدوّ، فلما التقى الصفَّان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البِراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعةً فطعنَه فقتله فازدحم إليه الناسُ، فنظرتُ فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتُم وجهه بكُمِّه، فأخذت بطرف كمه فمددتُه، فإذا هو هو. فقال: وأنتَ يا أبا عمرو ممن يُشَنِّع علينا. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٦٧].
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: من أحبَّ أن يُذكَرَ لم يذكر، ومن كره أن يُذكر ذُكِرَ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٧٧].
• وقال أيضًا ﵀: إن قدرت أن لا تعرف فافعل، وما عليك إن لم يثن عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس إذا كنت عند الله محمودًا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٧].
• وعن جرير بن عثمان قال: جاء شُرَيح بن عبيد ﵀ إلى أبي عائذ الأزْديَ فقال: يا أبا عبد الله، لو أحييتَ سنّةً قد تركها الناس: إرخاءَ طَرَف العِمامة من الجانب الأيسر!
قال: يا ابن أخي، ما كان أحسنها! تركها الناس فتركناها، ما أحِبّ أن أُعرَفَ في خيرٍ ولا شرّ. [عيون الأخبار ٢/ ٧٢٥].
• وقال الحسنُ بنُ الربيع: قُرِيءَ كتابُ الخليفةِ إلى ابن إدريس ﵀،
[ ٢٥٠ ]
وأنا حاضر: من عبدِ الله هارون أمير المؤمنين إلى عبد الله بن إدريس، قال: فشهق ابن ادريس شهقة، وسقط بعد الظهر فقمنا إلى العصر وهو على حاله، وانتبه قُبَيل المغرب، وقد صَبَبْنَا عليه الماءَ ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، صار يَعْرِفني حتى يكتبَ إليَّ! أيُّ ذنب بَلَغ بي هذا؟!. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٩٦].
• وعن سُحنون ﵀ قال: كان بعضُ من مضى يُريد أن يتكلَّم بالكلمة ولو تكلَّم بها لا انتفع بها خلقٌ كثير، فيحبسها، ولا يتكلَّم بها مخافةَ المباهاة. [السير (تهذيبه) ٣/ ٩٨٣].
• وقال عاصم الأحول: كان أبو العالية ﵀ إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام فتركهم. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٧٩].
• وقال سفيان الثوري ﵀: وددت أني أخذت نعلي هذه، ثم جلست حيث شئت لا يعرفني أحد، ثم رفع رأسه ثم قال: بعد أن لا أستذل. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧٢].
• وعن ابن المبارك ﵀ قال: قلت لابن إدريس: أريد البصرة، فدلني على أفضل رجل بها، فقال: عليك بمحمد بن يوسف الأصبهاني، قلت: فأين يسكن؟ قال: المصيصة ويأتي السواحل، فقدم عبد الله بن المبارك المصيصة فسأل عنه فلم يعرف، فقال عبد الله بن المبارك: من فضلك لا تعرف. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٥٢].
• وقال بشر بن الحارث ﵀: لا أعلم رجلًا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٤].
• وقال أيضًا ﵀: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٤].
• وعن الحسن البصري ﵀ قال: لقد أدركت أقوامًا إن كان الرجل ليجلس مع القوم يرون أنه عيي وما به عي إنه لفقيه مسلم. [الزهد للإمام أحمد / ٤٤٦].
• وقال أيضًا ﵀: إن كان الرجل ليكون فقيهًا جالسًا مع القوم فيرى بعض القوم أن به عيًا وما به من عي إلا كراهية أن يشتهر. [الزهد للإمام أحمد / ٤٤٦، ٤٤٧].
[ ٢٥١ ]
• وقال الشافعي ﵀: لوددت أن الخلق يتعلمون مني ولا يُنْسَب إليّ منه شيء. [صفة الصفوة ٢/ ٥٥٣].
• عن أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي أبو سليمان الداراني ﵀: إن استطعت أن لا تعرف بشيء فافعل. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٩٢].
• وعن أبي بكر بن عياش ﵀ قال: أدنى نفع السكوت السلامةُ، وكفى به عافية. وأدنى ضرر المنطق الشهرةُ، وكفى بها بليَّة. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٨٧].