• عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم، ودعاني معهم، وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني. فقال: ما تقولون: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله تعالى ونستغفره، إذا جاء نصر الله وفتح علينا. وقال بعضهم: لا ندري؟ ولم يقل بعضهم شيئًا. فقال لي: يا ابن عباس كذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله، ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. [رواه البخاري رقم: ٤٠٤٣].
• وقال أسلم: بينا أنا مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يَعُسّ المدينةَ إذْ عيِيَ فاتَّكأ إلى جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه قُومي إلى ذلك اللَّبن فامذُقيه بالماء، فقالت لها: يا أُماه أو ماعلمتِ ما كان من عزْمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عَزمته يا بنيّة؟ قالت: إِنّه أمر مناديه فنادَى: أن لا يُشابَ اللَّبن بالماءِ. فقالت لها: يا بنيَة قُومي إلى ذلك اللّبن فامذُقيه بالماءِ، فإنّك بموضعٍ لا يراكِ عُمر ولا مُنادِي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمَّاه والله ما كنتُ لأطيعه في الملأ وأعْصِيه في الخلاءِ. [صفة الصفوة ٤/ ٥٩٣].
• ومرّ عمر بن الخطّاب ﵁ بالصبيان وفيهم عبد الله بن الزبير ﵁، ففرّوا ووقف، فقال له عمر: ما لك لم تَفِرّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أَجْرِم فأخافَك، ولم يكن بالطريق ضِيقٌ فأُوسعَ لك. [عيون الأخبار ٢/ ٥٩٥].
[ ١٤٦ ]
• وعن سنان بن سلمة ﵀ قال: كنت في غِلمة بالمدينة تلتقط البَلَح، فأبصرنا عمر ﵁، وسعى الغلمان وقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو ما ألقت الريح، قال: أرني أنظر، فلما أرَيْته قال: انطلق.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين ولِّ هؤلاء الغلمان، إنك لو تواريت انتزعوا ما معي، قال: فمشى معي حتى بلغت مأمني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٨/ ٦٤].
• وعن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة ﵀. قال (^١): قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال فلقيته فسألته فقال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه. أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقا، فقال: (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا). فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. [رواه البخاري رقم: ٤٠٥١].
• وقدم إياس بن معاوية ﵀ الشام وهو غلام فقدّم خصمًا له إلى قاض لعبد الملك بن مروان وكان خصمه شيخًا كبيرًا. فقال له القاضي: أتقدّم شيخًا كبيرًا؟ فقال له إياس: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: ما أظنك تقول حقًا حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر فقال: اقضِ حاجتَه وأخرجه من الشام لا يفسدْ عليَّ الناس. [عيون الأخبار ١/ ١١٢].
_________________
(١) القائل: هو أيوب.
[ ١٤٧ ]
• وقدم وفد على عمر بن عبد العزيز ﵀ من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحَوّز يريد الكلام، فقال عمر: كبِّروا. فقال الفتى: يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنّ منك. قال: صدقتَ فتكلّم. [عيون الأخبار ١/ ٢٦٤].
• وعن مطرف ﵀ قال: كنا نأتي زيد بن صوحان وكان يقول: يا عباد الله أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين: الخوف والطمع؛ فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابًا فنسقوا كلامًا من هذا النحو: إن الله ربنا ومحمد نبينا والقران إمامنا ومن كان معنا كنا وكنا له، ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكنا وكنا، قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلًا رجلًا، فيقولون: أقررت يا فلان حتى انتهوا إليّ. فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا قال: لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟ قال: قلت: إن الله قد أخذ علي عهدًا في كتابه فلن أحدث عهدًا سوى العهد الذي أخذه الله ﷿ عليّ! قال: فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر به أحد منهم.
قال: قلت لمطرف كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثين رجلًا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٢].
• وعن مسلم بن خالد قال للشافعي: ﵀ أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢٠].
• وقال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدب المأمون ﵀، فأتيته يومًا وهو داخل، فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني، فأبطأ عليَّ، ثم وجهت آخر فأبطأ عليّ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر. فقال: أجل، ومع هذا إذا فارقك عزم على خدمه، ولقوا منه أذى شديدًا، فقَوِّمْهُ بالأدب، فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر. قال: فإنه ليدلك عينه من البكاء إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلًا، فمسح عينيه، وجمع ثيابه، وقام إلى فراشه، فقعد عليه متربعًا وقال: ليدخل. فدخل، فقمت إلى المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره، فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه، وضحك إليه، فلما همَّ بالحركة دعى بدابته، وأمر
[ ١٤٨ ]
غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني، فجئت فقال: خذ عليَّ ما بقي من جزئي، فقلت: أيها الأمير، أطال الله بقاءك، لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت ذلك لتنكر لي. فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه أني أحتاج إلى أدب، أَدِّبْ يغفر الله لك بُعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدًا، ولو عدت كل يوم مائة مرة. [المنتظم ١٠/ ٥٠].
• وعن الطالقاني أنه قال: قال الرشيد لأبي معاوية الضرير وهشيم: إني أسمع من ابني هذا - يعني المأمون - كلامًا لست أدري أمن تلقين القيم عليه هو أم من قريحة؟ فادخلا إليه، فناظراه واسمعا منه، وأخبراني بما تقفان عليه. فدخلا عليه وهو في أثواب صباه، فقالا له: إن أمير المؤمنين أمرنا بالدخول عليك ومناظرتك، فأي العلوم أحب إليك؟ قال: أمتعها لي. قالا: وما أمتعها لك. قال: أثبتها عن ثقة، وأقربها من أفهام مستمعيها. فقال له هشيم: جئناك لنعلمك فتعلمنا. ثم أخبرا الرشيد فقالا: إن هذا شيء أوله لحقيق أن يرجى آخره، ثم أعتق عنه مائة عبد وأمة، وألزمها خدمته. [المنتظم ١٠/ ٥٠].
• وقال ابن الجوزي ﵀: بلغنا أن أم جعفر عاتبت الرشيد على تقريبه المأمون دون ابنها محمد، فدعا خادمًا بحضرتها، وقال له: وجّه إلى عبد الله ومحمد خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة: ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه؟. فأما محمد فقال للخادم الذي مضى إليه: أقطعك وأوليك وأبلغ لك. وأما المأمون فرمى الخادم بالدواة وقال: يا ابن اللخناء تسلني ما أفعل بك بموت أمير المؤمنين؟ بل نكون جميعًا فداء له. فرجع بالخبر كل منهما. فقال لأم جعفر: كيف ترين ما أقدم ابنك إلا متابعة لرأيك وتركًا للجزع، وقد كان المأمون يعنى بالعلم قبل ولايته كثيرًا حتى جعل لنفسه مجلس نظر. [المنتظم ١٠/ ٥٠، ٥١].
[ ١٤٩ ]