• عن عائشة ﵂، أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها، فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: فوضعته أو وقع منها، فمرت به حدياة وهو ملقى فحسبته لحما، فخطفته، قالت: فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته، قالت: فوقع بينهم، قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو، قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسًا إلا قالت:
ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا … ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني
قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث. (^١)
[رواه البخاري: ٤٣٩].
_________________
(١) قال ابن رجب ﵀ في فتح الباري: الوشاح: قيل: أنه ضرب من الحلي، وجمعه: وشح، ومنه: توشح بالثوب واتشح به، والظاهر: أنه كان شيئا من لباس المرأة الذي تتوشح به، وفيه حلي وسيور حمر. والله أعلم. والحدياة: الحدأة. والرواية المشهورة: حدياة بضم الحاء وتشديد الياء، وقيل: إن الصواب: حديأة بتخفيف الياء وبعدها همزة، وهو تصغير حدأة. وفي الحديث: دليل على أن الله تعالى قد يفرج كربات المكروبين ويخرق لهم العوائد وإن كانوا كفارًا، كما روي أن جيشا من المسلمين حاصروا حصنا من الكفار، فعطش الكفار واشتد بهم العطش، فجأروا إلى الله يسألونه أن يسقيهم، فجاءت سحابة فمطرت على حصنهم حتى شربوا فارتحل عنهم المسلمون. وقد ذكرها ابن أبي الدنيا بإسناده في " كتاب: مجابي الدعوة ". فإن كان الكافر مظلومًا كهذه المرأة فهو أقرب إلى تفريج كربته وإجابة دعوته، فإن دعوة المظلوم قد تجاب من الكافر، كما ورد في أحاديث مرفوعة متعددة؛ فإن عدل الله يسمع المؤمن والكافر، والبر والفاجر. وظاهر هذا الحديث: يدل على أن هذه المرأة إنما أسلمت بعد قصة الوشاح.
[ ٢٤٤ ]
• وعن أيوب بن معمر قال: حاصر هارون أمير المؤمنين حصنًا، فإذا سهم قد جاء ليس له نصل، حتى وقع بين يديه مكتوب عليه:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي … وصار القار كاللبن الحليب
فقال هارون: اكتبوا عليه ورُدُّوه:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
قال: فافتتح الحصن بعد ذلك بيومين أو ثلاثة، فكان الرجل صاحب السهم ممن يخلص، وكان مأسورًا محبوسًا فيه سنتين. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٣٣].
• وقال بعضهم: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٣٤].
عسى فرج يكون عسى … نعلل أنفسنا بعسى
وأقرب ما يكون المر … ء من فرج إذا يئسا
• وقال بعضهم: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٣٥].
إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق لما بها الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجهًا … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث … يمنُّ به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب
• وقال بعضهم: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٣٦].
ألم تر أن ربك ليس تحصى … أياديه الحديثة والقديمة
تسل عن الهموم فليس شيء … يقيم وما همومك بالمقيمة
لعل الله ينظر بعد هذا … إليك بنظرة منه رحمية
• وقال توبة العنبري ﵀: أكرهني يوسف بن عمر على العمل، فلما
[ ٢٤٥ ]
رجعت حبسني في السجن وقيدني، فما زلت في السجن حتى لم يبق في رأسي شعرة سوداء، فأتاني آت في منامي عليه ثياب بياض فقال: يا توبة طال حبسك؟
قلت: أجل.
فقال: يا توبة، قل أسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة.
فقلتها ثلاثُا واستيقظت، فقلت: يا غلام هات الدواة والسراج وكتبت هذا الدعاء، ثم إني صليت ما شاء الله أن أصلي، فما زلت أدعو به حتى صليت الصبح، فلما صليت جاء حرسي فضرب باب السجن، ففتحوا له ثم قال: أين التوبة العنبري؟
فقالوا: هذا، فحملوني بقيودي حتى وضعوني بين يدي يوسف وأنا أتكلم به فقال: يا توبة، لقد أطلنا حبسك؟
قلت: أجل.
قال: أطلقوا عنه قيوده وخلوا عنه، فعلمته رجلًا في السجن.
فقال لي صاحبي: لم أُدع إلى العذاب قط فقلتهن إلا خلوا عني، فجيء به يومًا إلى العذاب فجعلت أتذكرهن فلم أذكرهن، حتى جلدني مائه سوط ثم إني ذكرتهن فقلتهن فخلى عني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٤٣، ١٤٤].
• وعن سفيان قال: أُتي زياد برجل فأمر به ليقتل، فلما أحس الرجل بالموت قال: ائذنوا لي أتوضأ وأصلي ركعتين فأموت على توبة، لعلي أنجو من عذاب الله، فقال زياد: دعوه فليتوضأ وليصل ما بدا له، قال: فتوضأ وصلى كأحسن ما يكون، فلما قضى صلاته أُتي به ليُقتل، فقال له زياد: هل استقبلت التوبة؟ قال: أي والذي لا إله غيره، فخلى سبيله. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٧٤].
[ ٢٤٦ ]