• عن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي ﵁ قال: إذا كان الليل،
_________________
(١) قال ابن القيم ﵀: السلف يذكرون هذين الأصلين كثيرًا - وهما الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسنة - فإن الشيطان يشمُّ قلب العبد ويختبره: فإذا رأى فيه داعية للبدعة وإعراضًا عن كمال الانقياد للسنة: أخرجه عن الاعتصام به. وإن رأى فيه حرصا على السنة وشدة طلب لها: أمره بالاجتهاد والجور على النفس، ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلا له: إن هذا خير وطاعة، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم. ا. هـ بتصرف. مدارج السالكين ٢/ ٣٤٢ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات، والعبادات المبتدعة، التي لم يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي ﷺ، حيث قال: (هلك المتنطعون). وأما الأجر على قدر الطاعة فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر، كما يسر الله على أهل الإسلام: الكلمتين، وهما أفضل الأعمال؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) أخرجاه في الصحيحين. ولو قيل: الأجر على قدر منفعة العمل، وفائدته؛ لكان صحيحًا … فأما كونه مشقًا، فليس هو سببًا لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقًا، ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة، كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر، يكون أجره أعظم من القريب كما قال النبي ﷺ لعائشة في العمرة: (أجرك على قدر نصبك) لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعد يكثر النصب فيكثر الأجر، وكذلك الجهاد … ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون الأعمال الشاقة الشديدة المتعبة من أنواع العبادات والزهادات، مع أنه لا فائدة فيها ولا ثمرة لها، ولا منفعة إلا أن يكون شيئًا يسيرًا لا يقاوم العذاب الأليم الذي يجدونه. ونظير هذا الأصل الفاسد، مدح بعض الجهال بأن يقول: فلان ما نكح ولا ذبح. وهذا مدح الرهبان الذين لا ينكحون ولا يذبحون، وأما الحنفاء فقد قال النبي ﷺ: (لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني). مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٠٧
[ ١٩٧ ]
كان الناسُ منه على ثلاث منازل: فمنهم مَن له ولا عليه، ومنهم مَن عليه ولا له، ومنهم من لا عليه ولا له! فقلت: وكيف ذاك؟ قال: أما مَن له ولا عليه، فرجلٌ اغتنم غفلةَ الناس وظلمةَ الليل، فتوضأ وصلَّى، فذاك له ولا عليه، ورجل اغتنم غفلة الناس، وظلمةَ الليل، فمشى في معاصي الله، فذاك عليه ولا له، ورجل نام حتى أصبح، فذاك لا له ولا عليه.
قال طارق: فقلت: لأصحبنَّ هذا. فَضُرب على الناس بعثٌ، فخرج فيهم، فصحبته وكنت لا أفضله في عمل، إن أنا عجنت خَبَزَ وإن خبزت طبخ، فنزلنا منزلًا فبتنا فيه، - وكانت لطارق ساعة من الليل يقومها - فكنت أَتيقظ لها فأجده نائمًا، فأقول: صاحب رسول الله ﷺ، خيرٌ مني نائم، فأنام ثم أَقوم فأجده نائمًا فأنام، إلا أنه كان إذا تعارّ من الليل قال وهو مضطجع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير. حتى إذا كان قبيل الصبح قام فتوضأ ثم ركع أربع ركعات. فلما صلّينا الفجر قُلت: يا أيا عبد الله! كانت لي ساعة من الليل أقومها وكنت أتيقظ لها فأجدك نائمًا، قال: يا ابن أخي! فإِيشٍ (^١) كنت تسمعني أقول؟ فأخبرته، فقال: يا ابن أخي تلك الصلاة، إن الصلوات الخمسَ كفارات لما بينهن ما اجتنبت المقتلة، يا ابن أخي عليك بالقصد فإنه أبلغ. (^٢)
[السير (تهذيبه) ١/ ٢٠٤].
_________________
(١) أي: أي شيء.
(٢) قال ابن الجوزي ﵀ في تلبيس إبليس: وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، وفيهم من يسهره كله ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل الفجر فتفوته الفريضة أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته، ولقد رأيت شيخًا من المتعبدين يقال له حسين القزويني يمشي كثيرا من النهار في جامع المنصور فسألت عن سبب مشيه فقيل لي: لئلا ينام فقلت: هذا جهل بمقتضى الشرع والعقل؛ أما الشرع فإن النبي ﷺ قال: (إن لنفسك عليك حقا فقم ونم) وأما العقل فإن النوم يجدد القوى التي قد كلَّت بالسهر، فمتى دفعه الإنسان وقت الحاجة إليه أقر في بدنه وعقله فنعوذ بالله من الجهل. فإن قال قائل: فقد رويتَ لنا أن جماعة من السلف كانوا يحيون الليل. فالجواب: أولئك تدرجوا حتى قدروا على ذلك وكانوا على ثقة من حفظ صلاة الفجر في الجماعة، وكانوا يستعينون بالقائلة مع قلة المطعم وصح لهم ذلك، ثم لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ سهر ليلة لم ينم فيها فسُنَّته هي المتبوعة. تلبيس إبليس: ١٥٩
[ ١٩٨ ]
• وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. [الزهد للإمام أحمد / ٢٩٣].
• وعن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: جمعتُ القرآن، فقرأتُه كلَّه في ليلة، فقال رسول الله ﷺ " اقراهُ في شهر" قلتُ: يا رسول الله، دعني أستمتع من قُوَّتي وشبابي، قال:"اقرأه في عشرين" قلتُ: دعني أستمتع، قال: "اقرأه في سبع ليال" قلت: دعني يا رسول الله أستمتع. قال: فأبى.
قال الذهبي ﵀: صحَّ أنَّ رسول الله ﷺ نازله إلى ثلاث ليالٍ، ونهاهُ أن يقرأَهُ في أقلَّ من ثلاثٍ وهذا كان في الذي نَزَلَ من القرآن، ثم بعدَ هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقلُّ مراتب النهي أن تُكْرَهَ تلاوةُ القرآن كُلِّه في أقلَّ من ثلاث، فما فقه ولا تَدَبَّر من تلى في أقلَّ من ذلك، ولو تلا ورتَّلَ في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملًا فاضلًا، فالدين يُسْر، فوالله إن ترتيلَ سُبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكارِ المأثورة الثابتة والقول عند النوم واليقظة، ودُبُرَ المكتوبة والسحر، مع النَّظَر في العلم النافع والاشتغالِ به مخلصًا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشادِ الجاهلِ وتفهيمِه، وزجرِ الفاسق، ونحوِ ذلك، مع أداء الفرائض في جماعةٍ بخشوع وطمأنينة وانكسارٍ وإيمان، مع أداء الواجب، واجتنابِ الكبائر، وكثرةِ الدعاءِ والاستغفار، والصدقة وصلةِ الرحم والتواضع والإخلاصِ في جميع ذلك، لَشُغْلٌ عظيمٌ جسيم، ولَمَقامُ أصحابِ اليمين وأولياءِ الله المتقين، فإنَّ سائر ذلك مطلوب. فمتى تَشَاغَلَ العابدُ بختمةٍ في كُلِّ
[ ١٩٩ ]
يوم، فقد خالف الحنيفيَّة السمحةَ، ولم ينهضْ بأكثر ما ذكرناه ولا تدَبَّر ما يتلوه.
هذا السيدُ العابدُ الصاحبُ كان يقول لما شاخَ: ليتني قبلتُ رُخصةَ رسول الله ﷺ، وكذلك قال ﵇ في الصوم، وما زالَ يناقصُه حتى قال له: " صُمْ يومًا وأفْطِرْ يَوْمًا، صَوْمَ أخي داود ﵇ ".
وكلُّ من لم يَزُمَّ نَفْسَه في تعبُّده وأوراده بالسُّنَّة النبوية، يندمُ ويتَرَهّبُ ويسوءُ مزاجُهُ، ويفوتُه خيرٌ كثيرٌ من متابعة سُنَّة نبيِّه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ مُعلِّمًا للأمة أفضل الأعمال، وآمرًا بهجر التَّبتُّل والرهبانية التي لم يُبْعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العُزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنَّواهي. فالعابدُ بلا معرفةٍ لكثير من ذلك معذور مأجور والعابدُ العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضولٌ مغرورٌ، وأحبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى أدومُها وإن قلَّ. أَلْهَمَنا الله وإيّاكُم حُسْنَ المتابعة، وجنَّبنا الهوى والمخالفة. [السير (تهذيبه) ١/ ٣٣٩].
• وجاء رجل إلى أبي أمامة ﵁ فقال: إنه أتاني آت فقال: اعمل مثل عمل أبي أمامة، فقال أبو أمامة: وما عسى أن يبلغ عمل أبي أمامة، أصلي الخمس، وأصوم رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر، وإذا صوتت الطير صوت معها، يعني من السحر. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٠٨].
• وعن يحيى بن أَكْثَم قال: صَحِبْتُ وكيعًا ﵀ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وكان يَصومُ الدَّهْرَ، ويَخْتِمُ القرآن كُلَّ ليلة.
قال الذهبي ﵀: هذه عبادةٌ يخضعُ لها. ولكنَّها من مثلِ إمامٍ من الأئمةِ الأثَرية مفضُولةٌ، قد صحَّ نهيُه ﵇ عن صَومِ الدَّهر، وصحَّ أنَّه نهى أن يُقرأ القرآنُ في أقلَّ من ثلاث، والدِّين يُسرٌ، ومتابعةُ السُّنَّة أولى، فرضي الله عن وكيع ﵀، وأين مثلُ وكيع؟! ومعَ هذا فكان مُلازِمًا لشُربِ نبيذِ الكوفة الذي يُسِكرُ الإكثارُ منه فكان مُتأولًا في شُربه، ولو تركه تورُّعًا، لكان أولى به، فإنَّ مَنْ تَوقَّى الشُّبهات، فقد استبرأَ لدينِهِ وعِرْضِه، وقد صحَّ النهيُ والتحريمُ للنَّبيذِ
[ ٢٠٠ ]
المذكور. وليس هذا موضعَ هذه الأمور، وكل أحدٍ يُؤْخَذُ من قوله ويُتركُ، فلا قُدوةَ في خطأ العالِم، نَعَم، ولا يُوَبَّخُ بما فعله باجتهاد، نسأل الله له المُسَامحة. [السير (تهذيبه) ٢/ ٨٠٩].
• وعن أبي إدريس الخولاني ﵀ قال: ما تقلد امرؤ قلادة أفضل من سكينة، وما زاد الله عبدًا قط فقها إلا زاده الله قصدًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٦٣].
• وعن مخلد بن الحسين ﵀ قال: ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين: ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلوًا فيه، وإما تقصيرًا عنه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٦٣].
• وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: وضع دين الله دون الغلو وفوق التقصير. [الزهد للإمام أحمد / ٤٧٧].
[ ٢٠١ ]