• عن يزيد بن الأصم أن رجلًا كان ذا بأس وكان يوفد إلى عمر بن
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فلابد من العلم بالمعروف والمنكر، والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المنهي، ومن الصَّلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود. ولابد في ذلك من الرفق، كما قال النبي ﷺ: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شَانَه). وقال ﷺ: (إنَّ الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله) ولابد أيضًا أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى، فلابد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح. كما قال لقمان لابنه: ﴿وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] قال ﵀: فلابد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر. العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده. وإن كان كل من الثلاثة لا بد أن يكون مستصحبًا في هذه الأحوال. وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعًا: ذكره القاضي أبو يعلى في … (المعتمد): (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه). الاستقامة / ٤٦٤ - ٤٦٦
[ ١٦١ ]
الخطاب ﵁ لبأسه وكان من أهل الشام، وإن عمر فقده فسأل عنه، فقيل له: تتابع في هذا الشراب! فدعا كاتبه فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، ثم دعا وأمن من عنده ودعوا له أن يقبل الله بقلبه، وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول: غافر الذنب قد وعدني الله أن يغفر لي، وقابل التوب شديد العقاب. قد حذرني الله عقابه، ذي الطول والطول الخير الكثير، لا إله إلا هو إليه المصير. فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر أمره. قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخًا لكم زل زلة، فسددوه ووفقوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٧].
• وعن أبي قُلابة أن أبا الدرداء ﵁ مرّ على رجل قد أصاب ذنْبًا، فكانوا يسبّونه. فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليبٍ ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبّوا أخاكم، واحمدوا الله ﷿ الذي عافاكم. قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي. [رواه الطبراني. صفة الصفوة ١/ ٣٠٤].
[ ١٦٢ ]
• وسئل ابن عباس ﵄ عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: إن كنت فاعلًا ولا بدّ ففيما بينك وبينه. [جامع العلوم والحكم / ١٠٧، ١٠٨].
• وقال سعيد بن جبير ﵀: قلت لابن عباس ﵁: آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، قال: ثم عدت فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بدّ فاعلًا، ففيما بينك وبينه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٥، جامع العلوم والحكم / ١٠٨].
• وقال طاوس ﵀: أتى رجل ابن عباس ﵁ فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله ﷿؟ قال: ذلك الذي تريد، فكن حينئذٍ رجلًا. (^١) [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٩، جامع العلوم والحكم / ١٠٨].
• وقال عبد العزيز بن أبي رواد ﵀: كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئًا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. [جامع العلوم والحكم / ١٠٧، ١٠٨].
• وعن مغيرة قال: كان رجل على حال حسنة فأحدث - أو أذنب ذنبًا - فرفضه أصحابه ونبذوه، فبلغ إبراهيم النخعي ﵀ ذلك. فقال: تداركوه وعظوه ولا تدعوه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩٤].
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: المؤمن يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي. (^٢) [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٤].
_________________
(١) قال ابن رجب ﵀: ومع هذا فمتى خاف منهم على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى، سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمّة على ذلك: منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم فإن خاف السبّ أو سماع الكلام السيء لم يسقط عنه الإنكار بذلك نصّ عليه الإِمام أحمد، وإن احتمل الأذى وقوي عليه فهو أفضل، نصّ عليه أحمد أيضًا. جامع العلوم والحكم / ٤٢٧
(٢) قال ابن رجب ﵀: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبّخه. جامع العلوم والحكم / ١٠٧، ١٠٨.
[ ١٦٣ ]
• عن محمد بن أبي عثمان قال: رأى الفضيل ﵀ رجلًا يفقع أصابعه في صلاته فزبره ونهره، فقال له الرجل: يا هذا! ينبغي لمن قام لله ﷿ بأمر أن يكون ذليلًا، فبكى الفضيل، وقال له: صدقت. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٠].
• وقال بشر بن الحارث ﵀: لا ينبغي أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، إلا من يصبر على الأذى. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٠].
• وقال الإمام أحمد ﵀: الناس يحتاجون إلى مداراة، ورفق في الأمر بالمعروف، بلا غلظة، إلا رجلًا معلنًا بالفسق فإنه لا حرمة له. [الجامع المنتخب / ٦٨].
• وقال أيضًا ﵀: لا يتعرّض إلى السلطان فإن سيفه مسلول. [جامع العلوم والحكم / ٤٢٧].
• وقال ابن شبرمة ﵀: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد، يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرم عليه الفرار منهما ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك. [جامع العلوم والحكم / ٤٢٧].
• وعن سلاّم بن مسكين قال: سألت الحسن ﵀ قُلتُ: يا أبا سعيد، الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟
قال: يأمرهما إن قبلا، وإن كرها سكت عنهما. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢٠٥].
• وقال الفُضيل بن عياض ﵀: إنما تأمر من يقبل منك، أرأيت إن لقيت سلطانًا أكنت تقول له: اتق الله، لو قلت هذا لأهلكتَ أهل بيتك ونفسك وجيرانك، ولكن احفظ نفسك وأخف مكانك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢٠٨].
• وقال سليمان الخوَّاص ﵀: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢٠٩].
• ومر طلحة بن مصرف ﵀ على حجر بن وائل، وهو جالس على باب داره، فأصغى إليه، ثم مضى، فقال حجر: جزاك الله خيرا ودعا له، ثم
[ ١٦٤ ]
قال: أتدرون ما قال؟ قال: رأيتك في الجمعة تلتفت، لا تفعل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٠].
• وعن عبد العزيز بن أبي رواد ﵀ قال: كان من قبلكم إذا رأى من أخيه شيئًا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه ويستعقب أخاه ويهتك ستره. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٠].
• وقيل للأوزاعي ﵀: آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: مرْ من يقبل منك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٦].
• وقال وهيب ﵀: لو أن علماءنا عفا الله عنا وعنهم نصحوا الله في عباده، فقالوا: يا عباد الله اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم وصالح سلفكم من الزهد في الدنيا فاعلموا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفاسدة: كانوا قد نصحوا لله في عباده، ولكنهم يأبون إلا أن يجروا عباد الله إلى فتنهم وما هم فيه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤٢].
• وقال الذهبي ﵀: الصَّدعُ بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمُخْلِص بلا قوة يعجِزُ عن القيام به، والقويُّ بلا إخلاص يُخْذَلُ، فمن قام بهما كاملًا، فهو صِدِّيق. ومن ضَعُفَ، فلا أقلَّ مِن التألم والإنكار بالقلب. ليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله. [السير (تهذيبه) ٢/ ٩٣١].