• عن عكرمة، عن ابن عُمر ﵁، قال: دخلتُ على حفصةَ فقلت: قد كانَ من الناس ما تَرَين، ولم يُجعل لي من الأمر شيءٌ، قالت: فالحق بهم فإنهم ينتظرونك، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فُرقةٌ، فلم يَرعه حتى ذهب. قال: فلما تفرَّق الناس، خطب معاويةُ، فقال: من كان يُريد أن
_________________
(١) قال البربهاري ﵀: وإذا رأيت الرجل يدعوا على السلطان: فاعلم أنَّه صاحب هوى، وإذا رأيتَ الرجل يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أّنَّهُ صاحبُ سُنَّةٍ - إن شاء الله -. شرح السنة / ١٠٥، ١٠٦
(٢) عَبَا المَتاعَ عَبْوًا وعَبَّاه: هَيَّأَه. وعَبَّى الجيش: أَصْلَحه وهَيّأَه تَعْبيَةً وتَعْبِئَةً وتَعْبيئًا، وقال أَبو زيد: عَبّاتُه بالهمزة. لسان العرب، مادة عبا. وفي الأصل: عِبَائة، بالتاء. ولعل الصواب هو المثبت.
[ ٩٦ ]
يتكلَّم في هذا الأمر، فليُطلعْ إليَّ قرنه، فنحنُ أحقُّ بذلك منه ومن أبيه (^١).
قال حبيبُ بنُ مسلمة: فهَلاَّ أجبته فِداكَ أبي وأمي؟ فقال ابنُ عمر: حلَلْتُ حبوتي، فهممتُ أن أقول: أحقُّ بذلك منك من قاتَلكَ وأباكَ على الإسلام فخشيتُ أن أقولَ كلمة تُفرِّق الجمع، ويُسْفَكُ فيها الدَّمُ، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجنان. [رواه البخاري: ٣٨٨٢].
• وعن سعيد بن حبان قال: جمع المختار رباع أهل الكوفة على صحيفة مختومة يبايعون على ما فيها ويقرون بها. فقلت: لأنظرن ما يصنع الحارث بن سويد ﵀، فلما دعيت إذا هو بين يدي القوم فمشيت إلى جنبه، فقلت: يا أبا عائشة أتدري ما في هذه الصحيفة؟ قال: إليك عني، فإني سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: ما كنت لأدع قولًا أقوله أدرأ به عني سوطين. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٦٧].
• وعن عبد الله بن سلمويه، قال: أسر مصعب بن الزبير ﵀ رجلًا فأمر بضرب عنقه، فقال: أصلح الله الأمير، ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فأتعلق بأطرافك الحسنة، وبوجهك الذي يستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبًا فيم قتلني؟ فقال: يا غلام، أعف عنه، فقال: أصلح الله الأمير، إن رأيت أن تجعل ما وهبت لي من حياتي في عيشٍ رخي، قال: يا غلام، أعطه مائة ألف، فقال: أيها الأمير، فإني أشهد الله وأشهدك أني قد جعلت لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفًا، فقال له: ولِمَ؟ قال: لقوله فيك:
إنما مصعب شهاب من اللـ … ـه تجلت عن وجهه الظلماء
[المنتظم ٦/ ١١٥، ١١٦].
• وعن هشام بن عروة ﵀: أنه دخل على أبي جعفر المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، اقض عني ديني. قال: وكم دينك؟ قال: مائة ألف. قال: وأنت في فضلك وفهمك تأخذ دينًا مائة ألف وليس عندك قضاؤها؟ قال: يا أمير المؤمنين، شب فتيان من فتياننا، فأحببت أن أبوئهم وخشيت أن ينتشر
_________________
(١) في مصنف عبد الرزاق: يُعرِّضُ بابنِ عُمر.
[ ٩٧ ]
عليَّ من أمرهم ما أكره فبوأتهم واتخذت لهم منازل وأولمت عنهم ثقة بالله وبأمير المؤمنين (^١) قال: فرد عليه مائة ألف استعظامًا لها، ثم قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف. قال: يا أمير المؤمنين، فأعطني ما أعطيت وأنت طيب النفس، فإني سمعت أبي يُحدّث عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من أعطى عطية وهو بها طيب النفس بورك للمُعطِي وللمُعطَى " قال: فإني بها طيب النفس. [المنتظم ٨/ ١٠١].
• وعن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة، فقدم المدينة وقال: ابعثْ إلى جعفر بن محمد ﵀ من يأتينا به تعِبًا، قتلني الله إن لم أقتله. فتغافل عنه الربيع لينساه، ثم أعاد ذكره للربيع وقال: أرسل إليه من يأتي به متعبًا، فتشاغل عنه، ثم أرسل إلى الربيع برسالة قبيحة في جعفر، وأمره أن يبعث إليه ففعل. فلما أتاه قال له: يا أبا عبد الله اذكر الله، فإنه قد أرسل إليك التي لا سِوى لها. قال جعفر: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أعلَم أبا جعفر حضورَه، فلما دخل أوعده وقال: أيْ عدوّ الله اتخذك أهل العراق إمامًا يجبون إليك زكاة أموالهم، وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل؟ قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان ﵇ أُعطي فشكر، وإن أيوب ابتُلي فصبر، وإن يوسف ظُلم فغفر، وأنت من ذلك السِّنْخ، فقال له أبو جعفر: إليّ وعندي، أبا عبد الله، البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك الله من ذي رحمٍ أفضلَ ما جَزى ذوي الأرحام عن أرحامهم.
ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه، ثم قال: عليَّ بالمِنجفَة، فأُتيَ بدُهن فيه غالية، فغلفه بيده حتى خِلتُ لحيته قاطرة، ثم قال: في حفظ الله وفي كلاءته. ثم قال: يا ربيع ألحِق أبا عبد الله جائزتَه وكسوتَه، انصرفْ أبا عبد الله في حفظ الله وفي كنفه، فانصرف ولحقتُه، فقلت له: إني قد رأيت قبل ذلك ما لم تره، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، فما قلت يا أبا عبد الله
_________________
(١) الصواب أن يقال: ثقة بالله ثم بأمير المؤمنين.
[ ٩٨ ]
حين دخلت؟ قال: قلت: اللهم احْرُسْني بعينك التي لا تنام، واكنُفني بركْنِك الذي لا يُرام، واغفر لي بقُدْرَتك عليّ لا أهلك وأنت رجائي. اللهم إنك أكبر وأجلّ ممن أخاف وأَحذر، اللهم بك أدفع في نحره، وأستعيذ بك من شرّه. [صفة الصفوة ٢/ ٤٩٨].
• وعن إبراهيم بن أبي عبلة ﵀ أنه قال: بعث إليّ هشام بن عبد الملك، فقال: يا إبراهيم، إنا قد عرفناك صغيرًا وخبرناك كبيرًا، ورضينا بسيرتك وحالك، وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وبخاصتي، وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر، فقال: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين فالله يجزيك ويثيبك وكفى به جازيًا ومثيبًا، وأما الذي أنا عليه فمالي بالخراج تصرف، ومالي عليه قوة. فغضب حتى اختلج وجهه، ثم قال: لَيلِيَنَّ طائعًا أو لَيلِينَّ كارهًا، فأمسكت عن الكلام حتى رأيت غضبه قد انكسر وثورته قد طفئت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أأتكلم؟ فقال: نعم، فقلت: إن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]. والله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أَبَيْنَ، ولا أَكْرههن إذْ كَرِهن، وما أنا بحقيق أن تغضب عليّ إذ أبيت ولا تكرهني إذ كرهت، فضحك وقال: يا إبراهيم، أبيت إلا رفقًا فقد أعفيناك ورضينا عنك. [المنتظم ٨/ ١٥٦].