• عن محمد بن سيرين، قال: كنا عند عمران بن حصين ﵁ في حلقته في المسجد، إذ مر بنا الحكم بن عمرو الغفاري وقد عقد له زياد بن أبي سفيان على خراسان، فقيل لعمران: هذا الحكم استعمل على خراسان، فقال: عليّ به. فلما جاء قال: يا حكم، أتذكر حديثًا سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ قال: وما هو؟ قال: سمعناه يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال: نعم، قال: إذا شئت فقم.
قال: فأتى خراسان فأصاب بها غنائم كثيرة، فكتب إليه زياد: أما بعد،
[ ٩٩ ]
فإن أمير المؤمنين كتب إليّ أن أصطفي له البيضاء والصفراء، ولا أعلمن ما قسمت بين الناس ذهبًا ولا فضة. فلما جاءه الكتاب قال للناس: اغدوا على غنائمكم فخذوها، ثم كتب إلى زياد: جاءني كتاب الأمير يذكر أن أمير المؤمنين كتب إليه أن يصطفي بالصفراء فلا يعلمن ما قسمت بين الناس ذهبًا ولا فضة، وإني وجدت كتاب الله قد سبق كتاب أمير المؤمنين، ووالله الذي لا إله إلا هو لو أن السماوات والأرض كانتا رتقًا على عبد اتقى الله لجعل له من ذلك مخرجًا، والسلام. [المنتظم ٥/ ٢٢٩، ٢٣٠].
• وعن نافع الطاحي قال: مررت بأبي ذر ﵁ فقال لي: مِمَّن أنت؟ قلت: من أهل العراق. قال: أتعرف عبد الله بن عمَّار؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان يقرأ معي ويلزمني، ثم طلب الإمارة، فإذا قدمت البصرة فتراء له، فإنه سيقول: لك حاجة؟ فقل: أخلني وقل له: أنا رسول أبي ذر إليك، وهو يقرئك السلام ويقول لك: إنا نأكل من التمر، ونشرب من الماء، ونعيش كما تعيش. فلما قدمت تراءيت له، فقال: لك حاجة؟ قلت: أخلني أصلحك الله. ففعل، فقلت: أنا رسول أبي ذر إليك - فلما قلتها خشع قلبه - وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إنا نأكل من التمر، ونروي من الماء، ونعيش كما تعيش. قال: فحلّ إزاره ثم أدخل رأسه في جيبه ثم بكى حتى ملأ جيبه بالبكاء. [المنتظم ٥/ ٣١٣، ٣١٤].
• وعن جبير بن نفير، قال: أخرج معاوية غنائم قبرس إلى طرسوس من ساحل حمص، ثم جعلها هناك في كنيسة يقال لها كنيسة معاوية، ثم قام في الناس فقال: إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم، سهم لكم، وسهم للسفن، وسهم للقبط، فإنه لم يكن لكم قوة على عدو البحر إلا بالسفن والقبط، فقام أبو ذر ﵁ فقال: بايعت رسول الله ﷺ على أن لا تأخذني في الله لومة لائم، أتقسم يا معاوية للسفن سهمًا وإنما هي فيئنا، وتقسم للقبط سهمًا وإنما هم أجراؤنا؟! فقسمها معاوية على قول أبي ذر. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٦٦].
• وعن سويد الكلبي؛ أن زر بن حبيش ﵁ كتب إلى عبد الملك بن مروان كتابًا يعظه، وكان في آخره:
[ ١٠٠ ]
ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحتك فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون:
إذا الرجال وُلُدت أولادُها … وبَليت مِن كبر أجسادها
وجعلت أسقامها تعتادها … تلك زروعٌ قد دنا حصادها
فلما قرأ عبد الملك الكتاب بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر لو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٨٢].
• وعن ابن شوذب قال: كان محمد بن واسع ﵀، مع يزيد بن المهلب بخراسان غازيًا، فاستأذنه للحج فأذن له، فقال له: نأمر لك قال: تأمر به للجيش كلهم! قال: لا، قال: لا حاجة لي به. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤١٥].
• وعن زيد بن أسلم قال: كنت مع أبي حازم ﵀ في الصائفة فأرسل عبد الرحمن بن خالد إلى أبي حازم أن ائتنا حتى نسائلك وتحدثنا. فقال أبو حازم: معاذ الله، أدركت أهل العلم لا يحملون الدين إلى أهل الدنيا، فلن أكون بأول من فعل ذلك، فإن كان لك حاجة فأبلغنا. فتصدى له عبد الرحمن وسأل منه وقال له: لقد ازددت علينا بهذا كرامة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٢٥].
• وعن عبد العزيز بن أبي حازم قال: بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبي حازم ﵀، فجاءه، فقال له: يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكُم وعمَرتُم دنياكم، فأنتم تكرهون أن تنتقِلوا من العمران إلى الخراب، قال: صدقت، فكيف القدوم على الله ﷿؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق (^١) يقدم على مولاه، فبكى سليمان، وقال: ليت شعري مالنا عند الله يا أبا حازم؟ قال: اعرض نفسك على كتاب الله ﷿ فإنك تعلم مالك عند الله، قال: يا أبا حازم وأنّى أصيب ذلك؟ قال: عند قوله ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. قال: ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أعفني
_________________
(١) هو العبد الذي هرب من سيده.
[ ١٠١ ]
عن هذا. قال سليمان: نصيحةٌ تلقيها. قال أبو حازم: إن أناسًا أخذوا هذا الأمر عنوةً من غير مشاورة من المسلمين ولا اجتماعٍ من رأيهم، فسفَكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنها، فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائه: بئس ما قلتَ يا شيخ. قال أبو حازم: كذبتَ، إن الله تعالى أخذ على العلماء ليبيننّه للناس ولا يكتُمونه. قال سليمان: اصحبْنا يا أبا حازم تُصِبْ منّا ونُصِبْ منك. قال: أعوذ بالله من ذلك. قال: ولم؟ قال: أخاف أن أركَن إليكم شيئًا قليلًا، فيذيقَني ضعْفَ الحياة وضعْفَ الممات. قال: فأَشِر علي. قال: اتّق الله أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدَك حيث أمرك. قال: يا أبا حازم ادعُ لنا بخير، قال: اللهم إن كان سليمان وليّك فَيَسِّرْه للخير، وإن كان عدوَّك فخذ إلى الخير بناصيته. فقال: يا غلام هات مائةَ دينار. ثم قال: خذها يا أبا حازم. فقال: لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لِما سمعتَ من كلامي. [صفة الصفوة ٢/ ٤٩].
• وعن أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي قال: وقع الذباب على المنصور فذَبَّه عنه، فعاد فذَبَّه حتى أضجره. فدخل جعفر بن محمد ﵀، فقال له المنصور: يا أبا عبد الله لِمَ خلق الله ﷿ الذباب؟ قال: ليُذِلّ به الجبابرة. [صفة الصفوة ٢/ ٤٩٨].
• وقال ابن الجوزي: كان سعيد بن جبير ﵀ فيمن خرج على الحجاج من القُرّاء، وشهد دَير الجماجم، فلما انهزم أصحاب ابن الأَشعث هرب، فلحق بمكة، فأخذه بعد مدَّة طويلة خالدُ بن عبدِ الله القَسْري، وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعث به إلى الحجاج.
وعن الحسن قال: لما أُتي الحجاج بسعيد بن جبير ﵀ قال: أنت الشقيّ بن كُسَير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير. قال: بل أنت الشقيّ بن كسير قال: كانت أمّي أَعْرف باسمي منك، قال: ما تقول في محمد؟ قال: تعني النبي ﷺ قال: نعم. قال: سيد ولد آدم، المصطفى، خير مَن بَقي وخير مَن مضى ..
قال: فما تقول في أبي بكرٍ الصديق؟ قال: الصدّيق خليفة رسول الله ﷺ،
[ ١٠٢ ]
مضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج نبيه ﷺ لم يغيّر ولم يبدّل.
قال: فما تقول في عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة الله وخِيرة رسوله، مضى حميدًا على منهاج صاحبيه لم يغيّر ولم يبدّل.
قال: فما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظُلمًا، المجهّز جيشَ العُسرة الحافر بئر رومة، المشتري بيتَه في الجنة، صهْر رسول الله ﷺ على ابنتيه، زوّجه النبي ﷺ بوحْي من السماء.
قال: فما تقول في عليّ؟ قال: ابن عم رسول الله ﷺ، وأول من أسلم، وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين.
قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك، قال: بُثّ بعلمك قال: إذًا نَسوءك ولا نسرّك، قال: بُثَّ بعلمك. قال: أعفني. قال: لا عفا الله عنّي إن أعفيتك. قال: إني لأعلم أنك مخالفٌ لكتاب الله، ترى من نفسك أمورًا تريد بها الهيبة، وهي التي تُقحمك الهلاك، وستَرِدُ غدًا فتعلم، قال: أَما والله لأقتلنّك قِتلةً لم أقتلها أحدًا قبلك، ولا أقتلها أحدًا بعدك. قال: إذًا تُفسد عليّ دنياَيَ، وأفسد عليك آخرتك. قال: يا غلام السيفَ والنّطْع، فلما ولّى ضحك. قال: قد بلغني أنك تضحك. قال: قد كان ذلك قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: من جُرأتك على الله ﷿ ومن حلِم الله عنك. قال: يا غلام اقتله، فاستقبل القبلة فقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. فصرف وجهه عن القبلة، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال: اضربْ به الأرض. قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. قال: اذبح عدوّ الله، فما أنزَعه لآيات القرآن منذ اليوم. [صفة الصفوة ٣/ ٥٥].
• وقال الأصمعي: دخل عطاءُ بن أبي رباح ﵀ على عبد الملك بن مروان، وهو جالس على السرير، وحولَه الأشرافُ، وذلك بمكة في وقت حجِّه في خلافته، فلمَّا بَصُر به عبدُ الملك، قام إليه فسلَّم عليه، وأجلسه معه على السرير، وقعَدَ بين يديه، وقال: يا أبا محمد: حاجَتَك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين! اتَقِ الله في أولادِ المهاجرين والأنصارِ، فإنك بهم جلستَ هذا
[ ١٠٣ ]
المجلس، واتَّق الله في أهل الثغور، فإنهم حِصنُ المسلمين، وتفقد أمورَ المسلمين، فإنَّك وحدك المسؤولُ عنهم، واتَّقِ الله فيمن على بابك، فلا تَغْفُل عنهم، ولا تُغْلِقْ دونهم بابَك، فقال له: أفعل، ثم نهض وقام، فقبضَ عليه عبدُ الملك وقال: يا أبا محمد! إنما سألتنا حوائجَ غيرك، وقد قضيناها، فما حاجَتُك؟ قال: مالي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرفُ، هذا وأبيك السُّؤدُدُ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٨٣].
• وعن علقمة بن مرشد قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى الحسن البصري ﵀ وإلى الشعبي، فأمر لهما ببيت وكانا فيه شهرًا - أو نحوه - ثم إن الخصي غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصًا له فسلم، ثم جلس معظمًا لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، ينفذ كتبًا أعرف أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله ﷿ فهل تريا لي في متابعتي إياه فرجًا؟
فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير (^١)، فتكلم الشعبي فانحط في حبل ابن هبيرة.
فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟.
فقال: أقول يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى، فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة، إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله ﷿ يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسًا من صدر هذه الأمة، كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة، أشد إدبارًا من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا
_________________
(١) أي أجب الأمير عن مسألته.
[ ١٠٤ ]
عمر بن هبيرة، إني أخوفك مقامًا خوفكه الله تعالى فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله تعالى في طاعته، كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله، وكلك الله إليه.
قال: فبكى عمر وقام بعبرته، فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزها وكثر منه ما للحسن، وكان في جائزته للشعبي بعض الإقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد فقال: يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن منه شيئًا فجهلته، ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٣٥].
• وعن الهيثم بن الحجاج الطائي قال: حج سليمان بن عبد الملك. فخرج حاجبه ذات يوم فقال: إن أمير المؤمنين قال: ابعثوا إليّ فقيهًا أسأله عن بعض المناسك. قال: فمر طاووس ﵀ فقالوا: هذا طاووس اليماني، فأخذه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: أعفني فأبى قال: فأدخله عليه فقال طاووس: فلما وقفت بين يديه، قلت: إن هذا المجلس يسألني الله عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير جب في جهنم هوت فيها سبعين خريفًا حتى استقرت قرارها، أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا! ثم قال: ويلك لمن أعدها الله؟ قلت: لمن أشركه الله في حكمه فجار قال: فبكى لها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٢].
• وعن سفيان قال: جاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاووس فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، قال: أردت أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣].
• وعن ابن طاووس قال: كنت لا أزال أقول لأبي: إنه ينبغي أن تخرج على هذا السلطان وأن تقعد به، قال: فخرجنا حجاجًا فنزلنا في بعض القرى، وفيها عامل لمحمد بن يوسف أو أيوب بن يحيى، يقال له: ابن نجيح، وكان من أخبث عمالهم، فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر
[ ١٠٥ ]
بطاووس، فجاء فقعد بين يديه، فسلم عليه فلم يجبه، فكلمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الأيسر فأعرض عنه، فلما رأيت ما به قمت إليه فمددت بيده وجعلت أسأله، وقلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك، قال: بلى، معرفته به فعل بي ما رأيت، قال: فمضى وهو ساكت لا يقول لي شيئا، فلما دخلت المنزل التفت إليّ فقال لي: يا لكع بينما أنت زعمت أن تخرج عليهم بسيفك لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣].
• وعن صالح بن كيسان قال: لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلًا من قريش يخرجون معه، فخرجوا فلقوه بالسوَيْداء، فلما دخل إلى المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، فما تُرِكَ فيه أحدٌ، وبقي سعيد بن المسيب ﵀ ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا رَيْطتان ما تساويان خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو قمت، قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه، فقيل له: لو سلمت على أمير المؤمنين، فقال: لا والله لا أقوم إليه.
قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيد بن المسيب حتى يقوم، فحانت من الوليد التفاتة - أو قال: نظرة - إلى القبلة، فقال: من ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيد بن المسيب؟ فقال عمر: نعم يا أمير المؤمنين، من حاله ومن حاله … ولو علم مكانك لقام مسلمًا عليك، فدار في المسجد حتى وقف على سعيد بن المسيب، فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد ولا قام فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ فقال الوليد: بخير والحمد الله فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس، فقال: أجل يا أمير المؤمنين. [المنتظم ٦/ ٣٠٠، ٣٠١].
• وعن عبد الله ابن أخت ابن سيرين أنه كان مع محمد بن سيرين ﵀ لما وفد إلى ابن هبيرة، فلما قدم عليه قال: السلام عليكم، قال: وكان متكئًا فجلس فقال: كيف خلفت من وراءك؟ قال: خلفت الظلم فيهم فاشيًا، قال: فهمّ به فقال له أبو الزناد: أصلح الله الأمير إنه شيخ، فما زال به حتى سكن،
[ ١٠٦ ]
فلما أجازهم أتاه إياس بن معاوية بجائزة، فأبى أن يقبلها، فقال: أترد عطية الأمير، قال: أتتصدق عليّ فقد أغناني الله، أو تعطيني على العلم أجرًا، فلا آخذ على العلم أجرًا. [المنتظم ٧/ ١٤٠].
• وقال طاووس ﵀: بينا أنا بمكة بعث إلي الحجاج فأجلسني إلى جنبه واتكأني على وسادة إذ سمع ملبيًا يلبي حول البيت رافعًا صوته بالتلبية، فقال: عليّ بالرجل، فأتي به، فقال: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، قال: ليس عن الإسلام سألتك، قال: فعم سألت؟ قال: سألتك عن البلد، قال: من أهل اليمن، قال: كيف تركت محمد بن يوسف؟ - يريد أخاه - قال: تركته عظيمًا وسيمًا لبّاسًا ركّابًا خرّاجًا ولاّجًا، قال: ليس عن هذا سألتك، قال: فعم سألت؟ قال: سألتك عن سيرته، قال: تركته ظلومًا غشومًا، مطيعًا للمخلوق عاصيًا للخالق، فقال له الحجاج: ما حملك على أن تتكلم بهذا الكلام وأنت تعلم مكانه مني؟ قال الرجل: أتراه بمكانه منك أعز مني بمكاني من الله ﷿ وأنا وافد بيته ومصدق نبيه وقاضي دينه، قال: فسكت الحجاج فما أجاب جوابًا، فقام الرجل من غير أن يؤذن له فانصرف.
قال طاووس: فقمت في أثره وقلت: الرجل حكيم، فأتى البيت فتعلق بأستاره ثم قال: اللهم بك أعوذ وبك ألوذ، اللهم اجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين وغنى عما في أيدي المستأثرين، اللهم فرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة. ثم ذهب الناس فرأيته عشية عرفة وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني الأجر على مصيبتي بتركك القبول. ثم ذهب في الناس فرأيته غداة جمع يقول: واسوءتاه منك والله وإن عفوت. يردد ذلك. [المنتظم ٧/ ١١٦].
• وعن عثمان بن عطاء الخراساني أنه قال: انطلقت مع أبي وهو يريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا إذا بشيخ أسود على حمار، عليه قميصٌ دنس، وجبّة دنسة، وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من خشب، فضحكت وقلت لأبي: من هذا الأعرابي؟ قال: اسكت، هذا سيد فقهاء أهل الحجاز، هذا
[ ١٠٧ ]
عطاء بن أبي رباح. فلما قرب نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتسالا (^١)، ثم عادا فركبا فانطلقا حتى وقفا بباب هشام، فلما رجع أبي سألته، فقلت: حدثني ما كان منكما. قال: لما قيل لهشام عطاء بن أبي رباح بالباب أذن له، فوالله ما دخلت إلا بسببه. فلما رآه هشام قال: مرحبًا مرحبًا هاهنا هاهنا. فرفعه حتى مسّت ركبته ركبته، وعنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا. فقال هشام: ما حاجتك يا أبا محمد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله، وجيران رسول الله ﷺ يقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم، قال: نعم، يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاءين وأرزاقهم لسنة، ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز، وأهل نجد، أصل العرب، ترد فيهم فضول صدقاتهم قال: نعم، يا غلام اكتب بأن ترد فيهم صدقاتهم. قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور يرمون من وراء بيضتكم، ويقاتلون عدوكم، قد أجريتم لهم أرزاقًا تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا أغرتم. قال: نعم، اكتب بحمل أرزاقهم إليهم يا غلام، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم يحيى صغارهم ولا يتعتع كبارهم، ولا يكلفون إلا ما يطيقون. قال: نعم اكتب لهم ياغلام، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحدًا.
قال: فأكب هشام وقام عطاء، فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس ما أدري ما فيه، أدراهم أم دنانير. فقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا. فقال: لا أسألكم عليه أجرًا إن أجري إلا على رب العالمين. قال: ثم خرج عطاء، فلا والله ما شرب عنده حسوة من ماء فما فوقه. [المنتظم ٧/ ١٦٨].
• وعن الأوزاعي ﵀ قال: بعث عبد الله بن علي إليَّ فاشَتدَّ ذلك علَيَّ
_________________
(١) لعله: وتساءلا.
[ ١٠٨ ]
وقدمتُ، فدخلت، والناس سماطان (^١) فقال: ما تقولُ في مخرجِنا وما نحنُ فيه؟ قلت: أصلح الله الأمير! قد كان بيني وبين داود بن عليٍّ (^٢) مودَّة. قال: لَتُخْبِرَنِّي. فتفكرتُ ثم قلتُ: لأَصْدقَنَّه، واستبسلتُ (^٣) للموت ثم رويتُ لهُ عن يحيى بن سعيد حديث (الأعمال) (^٤) وبيده قضيب ينكُتُ به، ثم قال: يا عبد الرحمن: ما تقول في قتل أهل هذا البيت؟ قلت: حدثني محمد بن مروان، عن مطَرِّف بن الشِّخير، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " لا يَحِلُّ قَتْلُ المُسلِمِ إلا في ثلاثٍ … " وساقَ الحديثَ.
فقال: أخبرني عن الخلافةِ، وصيَّةٌ لنا من رسول الله ﷺ؟ فقلت: لو كانت وصيَّةً من رسول الله ﷺ ما ترك عليٌّ ﵁ أحدًا يتقدَّمُه. قال: فما تقولُ في أموالِ بني أميَّة؟ قلتُ: إن كانت لهم حلالًا فهي عليك حرام، وإن كانت عليهم حرامًا، فهي عليك أَحْرَمُ. فَأَمَرَني، فأخرجتُ.
قلت: قد كان عبدُ الله بن عليٍّ ملكًا جبَّارًا، سفَّاكًا للدماء، صعبَ المراسِ، ومع هذا فالإِمامُ الأوزاعي يَصْدَعهُ بمُرِّ الحق كما ترى، لا كخَلْقٍ من عُلماء السُّوء، الذين يُحَسِّنُونَ للأُمراء ما يقتحمونَ به من الظُلم والعَسْف، ويقلِبُون لهم الباطل حقًا - قاتلهم الله - أو يسكتون مع القُدْرِة على بيان الحقِّ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٨٣].
• وعن أبي سعيد الثعلبي قال: لما خرج إبراهيم ومحمد على أبي جعفر المنصور، أراد أهلَ الثغور أن يعينوه عليهما، فأبوا ذلك، فوقع في يد ملك الروم الألوف من المسلمين أسرى، - وكان ملك الروم يحب أن يفادي بهم ويأبى أبو جعفر - فكتب الأوزاعي ﵀ إلى أبي جعفر كتابًا:
أما بعد فإن الله تعالى استرعاك أمر هذه الأمة لتكون فيها بالقسط
_________________
(١) قال في الحاشية: سماطان: صفان.
(٢) هو أخو عبد الله.
(٣) قال في الحاشية: يقال: أبسل نفسه للموت، واستبسل: إذا وَطَّن نفسه عليه واستيقنه.
(٤) إنما الأعمال بالنيَّات.
[ ١٠٩ ]
قائمًا، وبنبيه ﷺ في خفض الجناح والرأفة متشبها، وأسأل الله تعالى أن يسكن على أمير المؤمنين دهماء هذه الأمة، ويرزقه رحمتها، فإن سايحة المشركين غلبت عام أول، وموطئهم حريم المسلمين، واستنزالهم العواتق والذراري من المعاقل والحصون، وكان ذلك بذنوب العباد، وما عفا الله عنه أكثر، فبذنوب العباد استنزلت العواتق والذراري من المعاقل والحصون، لا يلقون لهم ناصرًا، ولا عنهم مدافعًا، كاشفات عن رؤوسهن وأقدامهن، وكان ذلك بمرأى ومسمع، وحيث ينظر الله إلى خلقه، وإعراضهم عنه، فليتق الله أمير المؤمنين وليتبع بالمفاداة بهم من الله سبيلًا، وليخرج من محجة الله تعالى، فإن الله تعالى قال لنبيه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (^١) [النساء: ٧٥].
والله يا أمير المؤمنين ما لهم يومئذ فيء موقوف، ولا ذمة تؤدي خراجًا إلا خاصة أموالهم، وقد بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني لأسمع بكاء الصبي خلفي في الصلاة فأتجوز فيها مخافة أن تفتتن أمه) فكيف بتخليتهم يا أمير المؤمنين في أيدي عدوهم يمتهنونهم، ويتكشفون منهم ما لا نستحله نحن إلا بنكاح؟ وأنت راعي الله، والله تعالى فوقك ومستوف منك، يوم توضع ﴿الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فلما وصل إليه كتابه أمر بالفداء. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٨٤].
• وعن محمد بن بشار اليشكري أنه قال: لما قدم أبو عون مصر وقتل بها من قتل واستولى على البلد أرسل على حيوة بن شريح ﵀: ائتني، قال: فجاء فدخل عليه فقال: إنَّا معشر الملوك لا نُعصى، فمن عصانا قتلناه، قد وليتك القضاء، قال: أو آمر أهلي، قال: اذهب، قال: فجاء إلى أهله، فغسل
_________________
(١) في الأصل ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٧٥]، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ … [النساء: ٩٨] وهذا خطأ.
[ ١١٠ ]
رأسه ولحيته ونال شيئًا من الطيب، ولبس أنظف ما قدر عليه من الثياب قال: ثم جاء فدخل عليه فقال: من جعل السحرة أولى بما قالوا منا، اقض ما أنت قاض لست أتولى لك شيئًا. قال: فأذن له فرجع. [المنتظم ٨/ ١٦٩].
• وعن سفيان الثوري ﵀ قال: أُدخلت على المهدي بمنى، فسلَّمْت عليه بالإِمرة، فقال: أيُّها الرجل! طلبناك، فأعجزْتَنا، فالحمدُ لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتَك. فقلت: قد ملأتَ الأرض ظُلمًا وجورًا، فاتَّقِ الله، وليكن منك في ذلك عِبرة. فطأطأ رأسه. ثم قال: أرأيتَ إن لم أستطع دفعه؟ قلتُ: تُخلِّيه وغيرك. فطأطأ رأسه، ثم قال: ارفع إلينا حاجتَك. قلت: أبناءُ المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالبَاب، فاتق الله، وأوصِل إليهم حقوقهم. فطأطأ رأسه، فقال: أبو عُبَيْد الله أيُّها الرَّجل! ارفع إلينا حاجتَك. قلت: وما أرفع: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، قال: حج عُمر، فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعةَ عشرَ درهمًا. وإني أرى ها هنا أمورًا لا تُطيقها الجِبَال. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٩٨].
• وعن الفريابي قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقول: أدخلت على أبي جعفر بمنى فقلت له: اتق الله فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعًا. حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارًا، وكان ينزل تحت الشجر. فقال لي: أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: لا تكون مثلي، ولكن كن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه. فقال لي: اخرج. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١٩].
• وعن عيسى بن يونس قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش ﵀، ولا الطبقة الذين كانوا قبلنا، ما رأينا الأغنياء والسلاطين في مجلس قط أحقر منهم في مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٨].
• وعن عيسى بن يونس قال: بعث عيسى بن موسى بألف درهم إلى الأعمش ﵀ وصحيفة ليكتب له فيها حديثًا، فأخذ الأعمش الألف درهم وكتب في الصحيفة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ حتى ختمها، وطوى الصحيفة وبعث بها إليه، فلما نظر فيها بعث إليه يا ابن الفاعلة
[ ١١١ ]
ظننت أني لا أحسن كتاب الله؟ فكتب إليه الأعمش: أفظننت أني أبيع الحديث؟ ولم يكتب له وحبس المال لنفسه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٨].
• وعن أحمد بن أبي الحواري، حدثني بعض أصحابنا. قال: جاء عبد الله بن أبي العباس الطرسوسي - وكان واليًا بمرو - إلى منزل عبد الله بن المبارك ﵀ بالليل، ومعه كاتبه والدواة والقرطاس معه، قال: فسأله عن حديث، فأبى أن يحدثه، ثم سأله عن حديث، فأبى أن يحدثه - ثلاث مرار - فقال لكاتبه: اطو قرطاسك، ما أرى أبا عبد الرحمن يرانا أهلًا أن يحدثنا، فلما قام يركب مشى معه ابن المبارك إلى باب الدار فقال له: يا أبا عبد الرحمن لم لم ترنا أهلًا أن تحدثنا، وتمشي معنا؟ فقال: إني أحببت أن أذل لك بدني ولا أذل لك حديث رسول الله ﷺ.
قال أحمد: فحدثت به محمد بن أبي شيبة ابن أخت ابن المبارك فقال: ما حفظ الذي حدثك، لم يمش معه، إنما قام ذلك ليركب وقام خالي إلى قاعة الدار يبول. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٩].
• وقيل للإمام مالك ﵀: إنك تدخلُ على السلطان، وهم يظلمون، ويجورون، فقال: يرحمك الله، فأين المكلِّم بالحق. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٣٦].
• وعن علي بن الجعد أنه قال: لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته، ثم خرج فقام له كل مَنْ كان في المجلس إلا ابن الجعد ﵀، فإنه لم يقم، فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب، ثم استخلاه، فقال له: يا شيخ، ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي ﷺ، قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي ﷺ: "مَنْ أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار".
قال: فأطرق المأمون مفكرًا في الحديث، ثم رفع رأسه، فقال: لا يُشترى إلا من هذا الشيخ. قال: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار. [المنتظم ١١/ ١٦٠، ١٦١].
[ ١١٢ ]
• وعن أبي عثمان الرازي قال: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي ﵀ بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد، يسأله عن أمر أمير المؤمنين تفرقة ذلك، فرده فانصرف الرسول، ثم عاد فقال له: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه في جيرانك: فقال: عافاك الله، هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه، فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين: إن تركتنا وإلا تحولنا من جوارك. [المنتظم ١٢/ ٣٨٣].
• وعن نمير المدني أنه قال: قدم علينا أمير المؤمنين المنصور المدينة، ومحمد بن عمران الطلحي ﵀ على قضائه وأنا كاتبه، فاستعدى الحمالون على أمير المؤمنين في شيء ذكروه، فأمرني أن أكتب إليه كتابًا بالحضور معهم وإنصافهم، فقلت: اعفني من هذا فإنه يعرف خطي، فقال: اكتب، فكتبت ثم ختمه، وقال: لا يمضي به والله غيرك، فمضيت به إلى الربيع وجعلت أعتذر إليه، فقال: لا تفعل، فدخل عليه بالكتاب ثم خرج الربيع فقال للناس وقد حضر وجوه أهل المدينة والأشراف وغيرهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا أعلمن أحدًا قام إليّ إذا خرجت أو بدأني بالسلام.
قال: ثم خرج المسيب بين يديه والربيع وأنا خلفه في إزار ورداء، فسلم على الناس، فما قام إليه أحد، ثم مضى حتى بدأ بالقبر فسلم على الرسول ﷺ، ثم التفت إلى الربيع، فقال: يا ربيع، ويحك أخشى إن رآني محمد بن عمران أن يدخل قلبه هيبة فيتحول عن مجلسه، وتا الله لئن فعل لا وَلِي لي ولاية أبدًا.
قال: فلما رآه - وكان متكئًا - أطلق رداءه على عاتقه ثم احتبى به ودعى بالخصوم وبالحمالين، ثم دعا بأمير المؤمنين ثم ادعوا وحكم عليه لهم، فلما دخل الدار قال للربيع: إذهب فإذا قام وخرج من عنده من الخصوم فادعه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما دعا بك حتى تفرغ من أمر الناس جميعًا، فدعاه، فلما دخل عليه سلم، فقال: جزاك الله عن دينك وعن بنيك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء، قال: قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها، فكانت عامة أموال محمد بن عمران الطلحي من تلك الصلة. [المنتظم ٨/ ١٨١، ١٨٢].
[ ١١٣ ]
• وقال ابن أبي ذئب ﵀ للمنصور ذات يوم: يا أمير المؤمنين، قد هلك الناس، فلو أعنتهم بما في يديك من الفيء؟ قال: ويلك لولا ما سددت من الثغور وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى في منزلك وتذبح. فقال ابن أبي ذئب: فقد سدَّ الثغور وَجيَّش الجيوش، وفتح الفتوح، وأعطى الناس أعطياتهم مَنْ هو خير منك. قال: ومن هو ويلك؟ قال: عمر بن الخطاب: فنكس المنصور رأسه، والسيف بيد المسيب والعمود بيد مالك بن الهيثم ولم يعرض له والتفت إلى محمد بن إبراهيم الإمام، قال: هذا الشيخ خير أهل الحجاز. [المنتظم ٨/ ٢٣٢، ٢٣٣].
• وعن محمد بن خلاد قال: لما حجَّ المهدي دخل مسجد رسول الله ﷺ فلم يبق أحد إلا قام، إلا ابن أبي ذئب ﵀ فقال له المسيب بن زهير: مَنْ هذا أمير المؤمنين؟ فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: لقد قامت كل شعرة في رأسي. [المنتظم ٨/ ٢٣٤].
• وعن مبارك بن فضالة ﵀ قال: إني يومًا لعند أبي جعفر إذ أتي برجل فأمر بقتله، فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أحدّثك حديثًا سمعته من الحسن قال: وما هو؟ قلت: سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد حيث يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر فيقوم منادٍ من عند الله تعالى فيقول: ليقومنَّ مَنْ له على الله يد فلا يقوم إلا من عفا.
فأقبل عليّ فقال: آلله سمعته من الحسن؟ فقلت: آلله سمعته من الحسن، فقال: خليا عنه. [المنتظم ٨/ ٢٧٦].
• وقال ابن كثير ﵀: ومن مناقبه - أي فرج بن فضالة التنوخي ﵀ أنَّ المنصور دخل يومًا إلى قصر الذهب، فقام الناس إلا فرج بن فضالة، فقال له وقد غضب عليه: لِمَ لَم تقم، قال: خفت أن يسألني الله عن ذلك، ويسألك لِمَ رضيت بذلك، وقد كره رسول الله ﷺ القيام للناس، قال: فبكى المنصور، وقربه، وقضى حوائجه. [البداية والنهاية].
• وعن المدائني قال: نظر مالك بن دينار ﵀ إلى رجل قد اشترى
[ ١١٤ ]
سمكة بستة دراهم، وثيابه تساوي ثلاثة دراهم، فقال: ياهذا، اشتريت سمكة بستة دراهم وثيابك لعلها تساوي ثلاثة دراهم، فقال له: يا أبا يحيى لست أريدها لنفسي إنما اشتريتها للأمير الظالم الذي يطالبنا بما لا نطيق - وذكر له بلال بن أبي بردة - قال: فامض معي إليه، فمضى فاستأذن فأذن له، فقال له: يا ذا الرجل، أزل عن الناس ما تعتمده من الظلم، ولا تعرض لهذا البائس، قال: قد أزلت عنه المظلمة لمكانك يا أبا يحيى، ادع الله لي دعوة، قال: وما ينفعك أن أدعو لك وعلى بابك مائتان يدعون عليك. [المنتظم ٧/ ١٨٧].
• وعن الفضيل بن الربيع أنه قال: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد، فأتاني فخرجت مسرعًا، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك. فقال: ويحك! قد حك في نفسي شيء، فانظر لي رجلًا أسأله. فقلت: هنا سفيان بن عيينة. فقال: امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعًا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليَّ أتيتك، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله. فحدثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم. قال: أبا العباس، اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، انظر لي رجلًا أسأله. قلت: هنا عبد الرزاق بن همام. قال: امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت الباب فقال: مَنْ هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين، لو أسلت إليَّ أتيتك. قال: خذ لما جئناك له. فحادثه ساعة، ثم قال: هل عليك دين؟ قال: نعم. قال: أبا عباس، اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئًا، انظر لي رجلًا أسأله. قلت: هنا الفضيل بن عياض ﵀ قال: مرَّ بنا إليه. فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من القرآن، يرددها، فقال: اقرع الباب. فقرعت الباب. فقال: مَنْ هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين. فقال: ما لي ولأمير المؤمنين. فقلت: سبحان الله، أماعليك طاعة، أليس قد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس للمؤمن أن يذل نفسه)؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ المصباح، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه
[ ١١٥ ]
بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كف، ما ألينها، إن نجت غدًا من عذاب الله تعالى. فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام من قلب نقي. فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.
قال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة. فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا عليَّ.
فقال سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله ﷿ فصُم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها الموت.
وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقّر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله ﷿ فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مُتْ إذا شئت، وإني أقول لك إني أخاف عليك أشد الخوف، يومًا تزل فيه الأقدام، فهل معك - رحمك الله - مَنْ يشير عليك بمثل هذا؟
فبكى بكاءً شديدًا حتى غشي عليه، فقلت: أرفق بأمير المؤمنين فقال: يا بن أم الربيع، تقتله أنت وأصحابك وأرفق أنا به؟ ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله. فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر:
يا أخي، أذكرك الله طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد منك وانقطاع الرجاء.
فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال: ما أقدمك؟
قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله ﷿ قال: فبكى هارون بكاءً شديدًا، ثم قال: زدني رحمك الله.
[ ١١٦ ]
فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطف ﷺ جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أمِّرْني على إمارة، فقال له النبي ﷺ: (إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل).
قال: فبكى هارون بكاءً شديدًا، وقال له: زدني رحمك الله.
قال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي ﷺ قال: (من أصبح غاشًا لرعيته لم يرح رائحة الجنة).
فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. قال: أعني من دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أوحده وأطيع أمره، فقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فقال له: هذه ألف دينار خذها أنفقها على عيالك، وتقوّ بها على عبادتك. فقال: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلَّمك الله ووفقك. ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال: أبا العباس، إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.
فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت له: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فانفرجنا به. فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كثر (^١) نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس على السطح على باب الغرفة، فجلس هارون إلى
_________________
(١) لعله: كبر.
[ ١١٧ ]
جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد أذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله. فانصرفنا. [المنتظم ٩/ ١٤٩ - ١٥٢].
• وعن سعيد بن سليمان أنه قال: كنت بمكة في رواق الشطوى وإلى جنبي عبد الله بن عبد العزيز العمري ﵀، وقد حجّ هارون الرشيد، فقال لي إنسان: يا أبا عبد الرحمن، هو ذا أمير المؤمنين يسعى، قد أخلي له المسعى. قال العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيرًا، كلفتني أمرًا كنت عنه غنيًا. ثم تعلق نعليه وقام، فتبعته، فأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا فصاح به: يا هارون قال: فلما نظر إليه، قال: لبيك يا عم. قال: ارق الصفا. فلما رقيه قال: ارم بطرفك إلى البيت، قال: قد فعلت. قال: كم هم؟ قال: ومن يحصيهم؟ قال: فكم في الناس مثلهم؟ قال: خلق لا يحصيهم إلا الله، قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن حاجته نفسه، وأنت تسأل وحدك عنهم كلهم، فانظر كيف تكون. قال: فبكى هارون، وجلس وجعلوا يعطونه منديلًا منديلًا للدموع.
قال العمري: وأخرى أقولها لك، قال: قل يا عم. قال: والله إن الرجل ليسرع في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرع في مال المسلمين؟ ثم مضى وهارون يبكي. [المنتظم ٩/ ٩٩].
• وعن أبي الثناء شكر العضدي قال: دخل عضد الدولة إلى بغداد، وقد هلك أهلها قتلًا وحرقًا وجوعًا للفتن التي اتصلت فيها بين الشيعة والسنة، فقال: آفة هؤلاء القصاص يغرون بعضهم ببعض ويحرضونهم على سفك دمائهم، وأخذ أموالهم، فنادى في البلد لا يقص أحد في جامع ولا طريق، ولا يتوسل متوسل بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أحب التوسل قرأ القرآن، فمن خالف فقد أباح دمه. فرفع إليه في الخبر أن أبا الحسين بن سمعون ﵀ الواعظ جلس على كرسيه يوم الجمعة في جامع المنصور، وتكلم على الناس، فأمرني أن أنفذ إليه من يحصله عندي، ففعلت فدخل علي رجل له هيبة، وعلى وجهه نور، فلم أملك أن قمت إليه، وأجلسته إلى جانبي، فلم
[ ١١٨ ]
ينكر ذلك وجلس غير مكترث، وأشفقت والله أن يجري عليه مكروه على يدي، فقلت: أيها الشيخ، إن هذا الملك جلد عظيم، وما كنت أوثر مخالفة أمره، وتجاوز رسمه، والآن فأنا موصلك إليه، فكما تقع عينك عليه، فقبل التراب وتلطف في الجواب إذا سألك، واستعن الله عليه فعساه يخلصك منه. فقال: الخلق والأمر لله ﷿ فمضيت به إلى حجرة في آخر الدار قد جلس فيها الملك منفردًا خيفة أن يجري من أبي الحسين بادرة بكلام فيه غلظ، فتسير به الركبان، فلما دنوت من الحجرة وقفته وقلت له: إياك أن تبرح من مكانك حتى أعود إليك، وإذا سلمت فليكن بخشوع وخضوع.
ودخلت لأستأذن له، فالتَلفَتُّ فإذا هو واقف إلى جانبي، قد حوَّل وجهه نحو دار بختيار (^١)، واستفتح وقرأ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٨]. ثم حول وجهه نحو الملك، وقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] وأخذ في وعظه فأتى بالعجب فدمعت عين الملك، وما رأيت ذلك منه قط، وترك كمه على وجهه، وتراجع أبو الحسين، فخرج ومضى إلى حجرتي فقال الملك: امض إلى بيت المال، وخذ ثلاثة آلاف درهم، وإلى خزانة الكسوة وخذ منها عشرة أثواب، وادفع الجميع إليه، فإن امتنع فقل له: فرقها في فقراء أصحابك، فإن قبلها فجئني برأسه، فاشتد جزعي وخشيت أن يكون هلاكه على يدي، ففعلت وجئته بما أمر، وقلت له: مولانا يقرئك السلام، وقال لك: استعن بهذه الدراهم في نفقتك، والبس هذه الثياب، فقال لي: إن هذه الثياب التي عليَّ مما قطعه لي أبي منذ أربعين سنة، ألبسها يوم خروجي إلى الناس، وأطويها عند انصرافي عنهم وفيها متعة وبقية ما بقيت، ونفقتي من أجرة دار خلفها أبي، فما أصنع بهذا؟ قلت: هو يأمرك بأن تصرفه في فقراء أصحابك. فقال: ما في أصحابي
_________________
(١) هو عز الدولة أبو منصور بن معز الدولة أبي الحسين بن أحمد بن بويه تغلب عليه عضد الدولة وقتله.
[ ١١٩ ]
فقير، وأصحابه إلى هذا أفقر من أصحابي، فليفرقه عليهم. فعدت فأخبرته، فقال: الحمد لله الذي سلمه منا، وسلمنا منه. [المنتظم ١٤/ ٢٥٤، ٢٥٥].
• وقال ابن الجوزي ﵀: كتب أبو الوفاء بن عقيل ﵀ إلى الوزير ابن جهير إحراق العوام بالشريعة في بناء السور (^١)، كان فيه مما نقلته من خطه: لولا اعتقادي صحة البعث، وأن لنا دارًا أخرى لعلي أكون فيها على حال أحمدها لما بغضت نفسي إلى مالك عصري وعلى الله أعتمد في جميع ما أورده بعد أن أشهده أني محب متعصب، لكن إذا تقابل دين محمد ودين بني جهير فوالله ما أزن هذه بهذه، ولولا ذلك لكنت كافرًا (^٢)،
فأقول: إن كان هذا الخرق الذي جرى بالشريعة عن عمد لمناصبة واضعها فما بالنا نعتقد الختمات ورواية الأحاديث، وإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا مجموع الختمات والدعاء عقيبها ثم بعد ذلك طبول وسواني ومخانيث وخيال وكشف عورات الرجال مع حضور النساء إسقاطًا لحكم الله، وما عندي يا شرف الدين أن فيك أن تقوم لسخطة من سخطات الله، ترى بأي وجه تلقى محمدًا ﷺ، بل لو رأيته في المنام مقطبًا كان ذلك يزعجك في يقظتك، وأيُّ رمةٍ تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله إذا وضعنا الجباه ساجدة، ثم كيف نطالب الأجناد تقبيل عتبة ولثم ترابها، ونقيم الحد في دهليز الحريم صباحًا ومساءً على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المنكر المجمع على تحريمه، هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب، يا شرف الدين اتق سخط الله فإن سخطه لا تقاومه سماء ولا أرض فإن فسدت حالي بما قلت، فلعل الله يلطف بي ويكفيني هوائج الطباع، ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت والاختفاء عن العوام، لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام لهذه القبائح، والإنكار لها والنياحة على الشريعة، أترى لو جاءت معتبة من الله سبحانه في منام، أو على لسان نبي لو كان قد بقي للوحي
_________________
(١) وذلك أنه اختطّ سورًا على الحريم، وأذن للعوام في العمل والتفرج فأظهروا منكرات كثيرة، وسخافاتِ عقولٍ ضعيفة وعملوا أشياء منكرة.
(٢) في الأصل: ولو كنت كذلك كافرًا. ولا معنى لهذا الكلام ..
[ ١٢٠ ]
نزول، أو أُلقي إلى روع مسلم بإلهام، هل كانت إلا إليك، فاتق الله تقوى من علم مقدار سخطه، فقد قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] وقد ملأتكم في عيونكم مدائح الشعراء، ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الأغبياء الذين خسروا الله فيكم فحسنوا لكم طرائقكم، والعاقل مَنْ عرف نفسه، ولم يغيره مدح مَنْ لا يخبرها. [المنتظم ١٧/ ١٦، ١٧].
• وقال ابن كثير ﵀: كان أبو عبد الله البالسي يومَ قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ لمَّا تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقي الدين لقازان، وشجاعته، وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه: قل لقازان: أنت تزعم أنك مسلم، ومعك مؤذنون، وقاضي، وإمام، وشيخ على ما بلغنا، فغزوتنا، ودخلت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما غزوا بلاد الإسلام بل عاهدوا قومنا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفَّيت، قال: وجرت له مع قازان وقُطْلوشاه وبولاي أمورٌ ونُوَب، قام ابن تيمية فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله ﷿ قال: وقُرِّب إلى الجماعة طعام، فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم، وكلُّه مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا، وليكون الدين كله لك فانصره، وأيده وملِّكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياء، وسمعة، وطلبًا للدنيا، ولتكون كلمته هي العليا، وليذل الإسلام، وأهله فاخذْله، وزلزله، ودمِّره، واقطع دابره، قال: وقازان يؤمِّن على دعائه، ويرفع يديه، قال: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفًا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله، قال: فلمَّا خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وغيره: كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك، والله لا نصحبك.
فقال: وأنا والله لا أصحبكم، قال: فانطلقنا عصبة وتأخَّر هو في خاصة نفسه، ومعه جماعة من أصحابه فتسامعت به الخواتين والأمراء من أصحاب قازان، فأتوه يتبركون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، قال: والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة
[ ١٢١ ]
فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين أبَو أن يصحبوه، فخرج عليهم جماعة من التتر فشلحوهم عن آخرهم. هذا الكلام أو نحوه. وقد سمعت هذا الحكاية من جماعة غيره. [البداية والنهاية ١٤/ ١٦٦].
• وقال أبو الفرج بنُ الجوزي ﵀: أقام جوهر - القائد لأبي تميم صاحب مصرَ - أبا بكر النَّابُلسي ﵀، وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرةُ أسهم، وجب أن يَرميَ في الرُّوم سَهمًا، وفينا تسعة، قال: ما قلتُ هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرةُ أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرميَ العاشر فيكم أيضًا، فإنكم غيرتم الملَّة، وقَتَلْتُم الصَّالحين وادَّعيتُم نورَ الإلهية، فشهرهُ ثم ضربه، ثم أمر يهوديًا فَسَلَخَه وحُشِيَ تِبنًا، وصُلب.
قال معمر بنُ أحمد الصُّوفي: أخبرني الثقة، أن أبا بكر سُلخ من مفرق رأسه حتَّى بلغ الوجه، فكان يذكر الله ويصبر حتى بلغ الصدر فرحمه السلاَّخ، فوكزه بالسِّكين موضع قلبه فقضى عليه، وأخبرني الثقةُ أنه كان إمامًا في الحديث والفقه، صائمَ الدَّهرِ، كبيرَ الصولةِ عند العامَّة والخاصَّة، ولما سُلخ كان يُسمع من جسده قراءةُ القرآن.
قال الذهبي ﵀: لا يوصف ما قلبَ هؤلاء العُبَيْدِيَّةُ الدِّينَ ظهرًا لبطن واستَولَوا على المغرب، ثمَّ على مصرَ والشام، وسَبُّوا الصحابة.
حكى ابنُ السّعساع المصريّ، أنه رأى في النوم أبا بكر بن النابلسي بعدما صلب وهو في أحسن هيئة، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال:
حباني مالِكي بدَوامِ عزِّ … وَوَاعَدَني بقُربِ الانتصارِ
وقرَّبَني وأدناني إليه … وقال: انعم بعيشٍ في جِواري
[السير (تهذيبه) ٣/ ١٢٧٦].