• وعن عِكْرمة قال: إنّا لمَعَ عبد الله بن عباس ﵁ عشيّةَ عرفة إذ أقبل
_________________
(١) قال ابن الجوزي ﵀: فإن قال قائل: فكيف يتخلص مِن هذا مَن قد نشب فيه؟ قيل له: بالعزم القوي في هجران ما يؤذي والتدرج في ترك ما لا يؤمن أذاه، وهذا يفتقر إلى صبر ومجاهدة، يهونهما سبعة أشياء: أحدها: التفكر في أن الإنسان لم يخلق للهوى، وإنما هيئ للنظر في العواقب والعمل للآجل. ويدل على هذا أن البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمَنْكح ما لا يناله الإنسان، مع عيش هني خال عن فِكرٍ وهمٍّ، ولهذا تُساق إلى مَنْحَرِها وهي منهمكة على شهواتها، لفقدان العلم بالعواقب. والآدمي لا ينال ما تناله لقوَّة الفكر الشاغل، والهمّ الواغل، وضعف الآلة المستعملة. فلو كان نيل المشتَهَى فضيلة لما بُخِسَ حظّ الآدميّ الشريف منه، وزيد حظ البهائم، وفي توفير حظّ الآدمي من العقْل وبَخْسِ حظه من الهوى، ما يكفي في فضل هذا وذمّ ذلك. والثاني: أن يُفكِّر في عواقب الهوى، فكم قد أفات من فضيلة، وكم قد أوْقعَ في رذيلة، وكم من مطْعَم قد أوقع في مرض، وكم من زلّةٍ أو جبتِ انكِسار جاهٍ وقبح ذِكْر مع إثم! غير أنّ صاحب الهوى لا يرى إلاّ الهوى! فأقرب الأشياء شبهًا به من في المَدْبغَةِ، فإنّه لا يجد ريحها حتى يخرج فيعلم أينَ كان. والثالث: أن يتصوّرَ العاقلُ انقضاء غرضه من هواه، ثم يتصورَ الأذى الحاصلَ عَقِيب اللّذة، فإنّه يراه يُرْبِي على الهوى أضعافًا. والخامس: أن يتدبّر عزَّ الغلبِة وذلّ القهر، فإنّه ما مِن أحدٍ غلَب هواه إلاّ أحسّ بقوةِ عزّ، وما من أحد غلبه هواه إلاّ وجد في نفسه ذلّ القهر. والسادس: أن يتفكَّرَ في فائدةِ المخالفة للهوى، من اكتساب الذِّكْرِ الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجْر في الآخرة. ثم يعكس، فيتفكر لو وافق هواه، في حصولِ عكس ذلك على الأبد، وليفرض لهاتَيْن الحالَتَيْن حالتيْ آدم ويوسف ﵉، في لذّة هذا، وصبر هذا. السابع: أن يتفكر في فائدة المخالفة للهوى من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا وسلامة النفس والعرض والأجر في الآخرة. ا. هـ بتصرف. ذم الهوى / ٢٩، ٣٠.
[ ٢٩٤ ]
فتية يحمِلون فتى من بني عُذْرة قد بلي بدنُه، وكانت له حلاوة وجمال، حتى وقَفُوه بين يديه، ثم قالوا: استشفِ لهذا يا ابن عمّ رسول الله ﷺ. فقال: وما به؟ فترنَّم الفتى بصوتٍ ضعيف لا يتبيَّن وهو يقول:
بنا من جَوَى الأحْزانِ والحُبِّ لوعةٌ … تكادُ لها نفس الشِّفيق تذوبُ
ولكنما أبقَى حشاشةَ مُعْولٍ … على ما به عود هناك صَلِيبُ
وما عَجَبٌ موتُ المُحِبِّين في الهوى … ولكن بقاء العاشِقين عَجيبُ
ثم شهَق شهقة فمات. قال عكرمة: فما زال ابن عباس بقية يومه يتعوّذ بالله من الحبّ!. [ذم الهوى / ٣٣٤].
• وقال بعضهم: [ذم الهوى / ٣٩٢].
وما في الأرض أَشْقَى من محب … وإن وجَد الهوى عذْبَ المَذاقِ
تراه باكيًا في كل حين … مخافَة فُرقةٍ أو لاشتياقِ
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم … ويبكي إن دنوا خوفَ الفراقِ
فتسخن عينه عند التنائي … وتسخنُ عينه عند التلاقي
• وعن الضحاك الخُزَامي: أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁
[ ٢٩٥ ]
قدِم الشام في تجارة فرأى هناك امرأة يقال لها: ابنة الجُودِي، على طنفسةٍ لها ولائد فأعجَبَتْه فقال فيها:
تذكّرْتُ ليلى والسّماوة بيننا … وما لابْنَةِ الجُوديّ ليلى ومالياَ
وأنَّى تَعَاطَى ذكْرَه حارِثيَّةٌ … تُدَمِّنُ بُصْرَى أو تَحُلُّ الجوانيَا
وأنَّى تَلَاقيِها بلى ولعلّها … إنِ الناسُ حجُّوا قابلًا أن تُلَاقيا
قال: فلما بعث عمر بن الخطاب ﵁ جيشه إلى الشام، قال لصاحب الجيش: إن ظفرت بليلى ابنة الْجُودي عَنْوة فادْفَعْها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر.
فظفر بها، فدفعها إلى عبد الرحمن، فأُعْجِب بها وآثرها على نسائه، حتى شكونه إلى عائشة ﵂، فعاتَبَتْه على ذلك، فقال: والله كأنّي أَرْشُف بأنْيابِها حَبَّ الرُّمان. فأصابها وجَعٌ سقط له فُوها، فجَفاها، حتى شكَتْه إلى عائشة، فقالت له عائشة ﵂: لقد أحْبَبْتَ ليلى فأفْرَطت، وأبغضْتَها فأفرطت، فإمَّا أن تُنصفها وإما أن تُجَهّزَها إلى أهلها، فجهّزها إلى أهلها. [ذم الهوى / ٤٢٨].
• وعن الشعبي ﵀؛ أنه كان يقول:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فأنت وعير بالفلاة سواء
[الحلية (تهذيبه) ٢/ ١١٧].
• وقال ابن الجوزي ﵀: حدثني بعض إخواني عن صديق له، أنّه عشق امرأةً كانت في نهاية الحسن والجمال، وأنّه كان يخاطر بنفسه ليجتمع بها. قال: فقال لي يومًا: والله لو اجتمعتُ بها ثم قُدِّمْتُ فضرِبَتْ عُنقي ما باليت. ثمّ إنّه تزوّجها، فمضى عليه قليل ثم طلّقها. قال: فمررتُ يومًا أنا وهو في بعض الطريق بحَمْأة مُنْتِنة، فقال لي: يا فلان، والله إنّ فلانة اليوم أقبحُ عندي حالًا من هذه الحمأة!. (^١) [ذم الهوى / ٤٢٩].
_________________
(١) قال ابن الجوزي ﵀: وبهذا السبب يعرض الإنسان عن زوجته ويؤثر عليها الأجنبية، وقد تكون الزوجة أحسن. والسبب في ذلك أنّ عيوب الأجنبية لم تبِنْ له وقد تَكشفها المُخالطة، ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة وكشفتْ له المُخالَطةُ ما كان مستورًا، ملّ وطلب أُخرَى إلى ما لا نهاية له. ولهذا المعنى الذي أشرتُ إليه شكا خَلْق من العُشّاق معشوقهم، وملّوهم وأعرضوا عنهم، وما كان السبب إلاّ أنّ المخالطة أظهرَت المعايب الآدمية، فنفَروا عنهم ومضى ما مضى منَ القلق ووهن الجاه مجّانًا! [ذم الهوى / ٤٢٦، ٤٢٧]
[ ٢٩٦ ]