• قال أبو الأسود الديلي: قدمت البصرة، وبها عمران بن الحصين ﵁
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والقدر يؤمن به، ولا يُحتج به، بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب. ويستغفر الله عند الذنوب والمعايب، كما قال تعالى ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، ولهذا حجَّ آدم موسى ﵉ لما لام موسى آدم لأجل المصيبة التي حصلت له بأكله من الشجرة. فذكر له آدم " إن هذا كان مكتوبًا قبل أن أُخْلَق. فحج آدم موسى " كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقال تعالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنَها من عند الله فيرضى ويسلِّم. فهذا وجه احتجاج آدم بالقدر: ومعاذ الله أن يَحتج آدم، ومن هو دونه من المؤمنين على المعاصي بالقدر. فإنه لو ساغ هذا لساغ أن يَحتج إبليس ومن اتبعه من الجن والإنس بذلك، ويَحتج به قوم نوح وعاد وثَمود وسائر أهل الكفر والفسوق والعصيان، ولم يعاقب ربنا أحدًا، وهذا مِمَّا يعلم فساده بالاضطرار شرعًا وعقلًا. فإن هذا القول لا يطرده أحد من العقلاء، فإن طرده يوجب أن لا يلام أحد على شيء، ولا يعاقب عليه. وهذا المحتجُّ بالقدر: لو جنَى عليه جان لطالبه. فإن كان القدر حجة للجاني عليه. وإلا فليس حجة لا لهذا ولا لِهذا. ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولًا: لم يُمكن للناس أن يعيشوا، إذ كان لكل من اعتدى عليهم أن يَحتج بذلك، فيقبلوا عذره ولا يعاقبوه، ولا يمكن اثنان من أهل هذا القول أن يعيشا، إذ لكل منهما أن يقتل الآخر، ويفسد جميع أموره، محتجًّا على ذلك بالقدر. اقتضاء الصراط المستقيم / ٦٢٢ - ٦٢٤.
[ ٢٠ ]
صاحب رسول الله ﷺ، فجلست في مجلس، فذكروا القدر، فأمرضوا قلبي، فأتيت عمران بن الحصين، فقلت: يا أبا نجيد، إني جلست مجلسًا فذكروا القدر، فأمرضوا قلبي، فهل أنت محدِّثي عنه؟ فقال: نعم: تعلم أنَّ الله ﷿ لو عذب أهل السموات وأهل الأرض لعذبهم حين يعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته أوسع لهم، ولو كان لك مثل أحد ذهبًا فأنفقته، ما تُقُبِّلَ منك حتى تؤمن بالقدر كله، خيره وشره، وستقدم المدينة فتلقى بها أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود، قال: فقدمت المدينة، فجلست في مجلس فيه عبد الله بن مسعود وأُبيّ بن كعب. فقلت لأُبَيّ: أصلحك الله، إني قدمت البصرة، فجلست في مجلس، فذكروا القدر فأمرضوا قلبي، فهل أنت محدثي عنه؟ فقال: نعم. تعلم أن الله ﷿ لو عذب أهل السموات وأهل الأرض لعذبهم حين يعذبهم وهو غير ظالم ولو رحمهم كانت رحمته أوسع لهم ولو كان لك مثل أحد ذهبًا فأنفقته ما تقبل منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، حدِّث أخاك. قال: فحدثني بمثل ما حدثني أُبيّ بن كعب. [الشريعة / ٢١٧، ٢١٨].
• وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لا يذوق عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر كله، وبأنه مبعوث من بعد الموت. [الشريعة / ٢١٨].
• وعن أبي الحجاج الأزدي قال: قلت لسلمان الفارسي ﵁: ما قول الناس حتى تؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: حتى تؤمن بالقدر، تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، ولا تقول: لو فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولو لم أفعل كذا وكذا، لم يكن كذا وكذا. [الشريعة / ٢٢٠].
[ ٢١ ]
• وعن عطاء بن أبي رباح قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت ﵁: كيف كانت وصية أبيك إياك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، واعلم أنك لن تتقي الله ﷿ حتى تؤمن بالله، واعلم أنك لن تؤمن بالله، ولن تَطْعم طعم حقيقة الإيمان، ولن تبلغ العلم، حتى تؤمن بالقدر كله خيره وشره؟ قال: قلت: يا أبتِ، وكيف لي أن أؤمن بالقدر كلّه خيره وشرّه؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، أي بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول ما خلق الله ﷿ القلم، قال: اكتب، قال: ما أكتب يا رب؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلى الأبد ". [الشريعة / ٢٢٣].
• وعن محمد بن إبراهيم القرشي عن أبيه قال: كنت جالسًا عند ابن عمر ﵄، فسئل عن القدر؟ فقال: شيء أراد الله ﷿ ألاّ يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ﷿ ما أبى عليكم. [الشريعة / ٢٤٥].
قال الآجري ﵀: هذا معنى ما قال عمر بن عبد العزيز ﵀، في رسالته لأهل القدر. قوله: فلئن قلتم: قد قال الله ﷿ في كتابه كذا وكذا، يقال لهم: لقد قرؤوا منه - يعني الصحابة - ما قد قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، ثم قالوا بعد ذلك: كله كتاب وقدر، وكتب الشقوة وما قدر يكن، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا، ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا، والسلام. [الشريعة / ٢٤٥].
• وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: كل شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك. [الشريعة / ٢٢٥].
• وقال أيضًا ﵁: القدر: نظام التوحيد، فمن وحَّد الله تعالى فآمن بالقدر، فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحَّد الله وكذب بالقدر، فإن تكذيبه بالقدر نقص للتوحيد. [الشريعة / ٢٢٦].
• وعن محمد بن سيرين ﵀ أنه قال: ما ينكر قوم إن الله ﷿ علم شيئًا فكتبه؟. [الشريعة / ٢٣٠].
[ ٢٢ ]
• وعن إياس بن معاوية ﵀ قال: لم أخاصم بعقلي كله من أصحاب الأهواء، غير أصحاب القدر. قال: قلت: أخبروني عن الظلم في كلام العرب ما هو؟ قالوا: أنْ يأخذ الرجل ما ليس له، قال: فقلت: فإن لله ﷿ كل شيء. [الشريعة / ٢٣١].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٢/ ٥٤٠].
وعاجزُ الرَّأْي مِضْيَاعٌ لفُرْصَتهِ … حتى إذا فات أَمْرٌ عاتبَ القَدَرا
• وعن طاووس ﵀ قال: ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا أحصي عليه حتى أنينه في مرضه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٨].
• وعن ابن طاووس - أو غيره -: أن رجلًا كان يسير مع طاووس فسمع غرابًا نعب فقال: خير، فقال طاووس: أي خير عند هذا أو شر؟ لا تصحبني أو لا تمشي معي. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٨].
• واجتمع أبو عَمْرو بن العَلَاء ﵀ وعمرو بن عُبَيد فقال عمرو: إن الله وَعَدَ وَعْدًا وأَوعَد إيعادًا وإنه مُنْجِزٌ وعْدَه ووعيدَه. فقال له أبو عَمْرو: أنت أَعجَم! لا أقولُ إنَّك أَعجَمُ اللسان، ولكنك أعجم القَلْب! أما تعلم، وَيحَكَ! أن العرب تَعُدُّ إنجاز الوَعْد مَكْرُمة، وتَرْكَ إيقاع الوعيد مَكْرُمة؟ ثم أنشده:
وإنِّي وَإنْ أَوْعدْتُه أو وعَدْتُه … لمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوْعدي
[عيون الأخبار ٢/ ٥٤١].
• وقال داود بن أبي هند ﵀: أتيت الشام فلقيني غيلان. فقال: يا داود إني أريد أن أسألك عن مسائل؟ قلت: سلني عن خمسين مسألة، وأسألك عن مسألتين. قال: سل يا داود. قلت: أخبرني ما أفضل ما أعطي ابن آدم؟ قال: العقل، قلت: فأخبرني عن العقل هو شيء مباح للناس من شاء أخذه، ومن شاء تركه، أو هو مقسوم بينهم؟ قال: فمضى ولم يجبني. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٦٣].
• وعن أنس بن عياض؛ أن غيلان وقف على ربيعة ﵀ فقال: يا ربيعة أنت الذي تزعم أن الله ﷿ يحب أن يُعصى؟ قال: ويلك يا غيلان أفأنت الذي تزعم أن الله يعصى قسرًا؟ [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٣٣].
[ ٢٣ ]
• وقال مطرف ﵀: إنَّ ها هنا قومًا يزعمون أنهم إن شاؤوا دخلوا الجنة، وإن شاؤوا دخلوا النار، ثم حلف مطرف بالله ثلاثة أيمان مجتهد، أن لا يدخل الجنة عبد أبدًا إلا عبد شاء أن يدخله إياها عمدًا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٠].
• وقال أيضًا ﵀: لو أخرج قلبي فجعل في يدي هذه اليسار، وجيء بالخير فجعل في هذه اليمنى ما استطعت أن أولج قلبي منه شيئا حتى يكون الله تعالى يضعه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٠].
• وقال أيضًا ﵀: ليس لأحد أن يصعد فيلقي نفسه من فوق البئر ويقول: قُدِّر لي. ولكن يحذر ويجتهد ويتقي، فإن أصابه شيء علم أنه لم يصبه إلا ما كتب الله له. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٠].
• وعن حماد بن زيد. قال: قلت لداود بن أبي هند: ما قلت في القدر؟ قال: أقول ما قال مطرف بن الشخير: لم نوكل إلى القدر وإليه نصير. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٦٣].
• وعن ثابت أن أخًا لصِلة بن أشيم ﵀ مات، فجاء رجل وهو يَطْعَم، فقال: يا أبا الصهباءُ إن أخاك مات، فقال: هَلُمّ فكُلْ قد نُعِي لنَا، ادْنُ فكُلْ. فقال: والله ما سبقَني إليك أحد، فَمن نعاه؟.
قال: يقول الله ﷿ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. [صفة الصفوة ٣/ ١٥١].
• وقال بلال بن أبي بردة، لمحمد بن واسع ﵀: ما تقول في القضاء والقدر؟ قال: أيها الأمير إن الله ﷿ لا يسأل يوم القيامة عباده عن قضائه وقدره، إنما يسألهم عن أعمالهم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤١٥].
• وعن خيثمة ﵀ قال: دخل ملك الموت على سليمان ﵉ فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم إليه النظر، فلما خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت ﵇. قال: لقد رأيته ينظر إليّ فكأنه يريدني. قال: فما تريد. قال: أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند. قال: فدعا بالريح
[ ٢٤ ]
فحمله عليها فألقته بالهند ثم أتى ملك الموت سليمان ﵇ فقال: إنك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي. قال: كنت أعجب منه، إني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٦٥].
• وعن الحسن البصري ﵀ قال: من كذَّب بالقدر فقد كفر. [الزهد للإمام أحمد / ٤٨١].
• وعن عمرو بن الهيثم ﵀ قال: خرجت في سفينة إلى الأُبُلَّة أنا وقاضيها هبيرة بن العديس قال: وصحبنا في السفينة مجوسي وقدري، فقال القدري للمجوسي: أسلم، فقال المجوسي: حتى يريد الله، فقال القدري: الله يريد والشيطان لا يدعك، قال: يقول المجوسي: أراد الله، وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان، هذا شيطان قوي (^١). [الشريعة / ٢٥٢، ٢٥٣].
• وقال أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي ﵀: قال بعض العلماء مسألة يقطع بها القدري: يقال له: أخبرنا: أراد الله ﷿ من العباد أن يؤمنوا فلم يقدر، أو قدر ولم يرده؟ فإن قال: قدر فلم يرد، قيل له: فمن يهدي من لم يرد الله هدايته؟ فإن قال: أراد فلم يقدر، قيل له: لا يشك جميع الخلق أنك قد كفرت ياعدو الله. [الشريعة / ٢٥٢، ٢٥٣].
• وعن أبي عثمان قال: كان عيسى ﵊ يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم، قال: ألق نفسك من الجبل، وقل: قدر علي، قال: يا لعين! الله يختبر العباد، وليس للعباد أن يختبروا الله ﷿. [موسوعة ابن أبي الدنيا / ٤/ ٥٤٤].