• قيل لشقيق بن سلمة ﵀: بأي شيء تشهد على الحجاج؟ فقال: أتأمروني أن أحكم على الله؟. [المنتظم / ٦/ ٢٥٤].
• وقال ابن خزيمة ﵀: من لم يقرَّ بأنَّ الله على عرشه قد استوى فوقَ سبعِ سماواته فهو كافر حلالُ الدَّم، وكان ماله فَيئًا.
_________________
(١) انظر قصته عند موضوع: ذم المراء والجدال في الدين.
[ ٢٨ ]
قال الذهبي ﵀: مَن أقرَّ بذلك تصديقًا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله ﷺ، وآمن به مفوِّضًا معناه إلى الله ورسوله، ولم يخُض في التأويل ولا عمَّق، فهو المسلم المتَّبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدرِ بثبوت ذلك في الكتاب والسُّنَّة فهو مقصِّرٌ، والله يعفو عنه، إذ لم يوجب اللهُ على كل مسلم حِفْظَ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقَفا غير سبيلِ السَّلَفِ الصالح، وتمعقل على النَّص، فأمرُهُ إلى الله، نعوذ بالله من الضلال والهوى. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٦١].
• وقال أبو العبَّاس السَّراج ﵀: من لم يقرَّ بأن الله تعالى يَعجَبُ، ويضحكُ، وينزل كل ليلة إلى السَّماء الدُّنيا، فيقول: " من يسألني فأعطيه " فهو زنديقٌ كافر، يُستتابُ، فإن تاب وإلا ضُربت عنُقُه، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
قال الذهبي ﵀: لا يكفر إلا إن علم أن الرسول ﷺ قاله، فإن جحد بعد ذلك فهذا معاند نسأل الله الهدى، وإن اعترف أن هذا حق، ولكن لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمنَ وأوَّل ذلك كلَّه، أو تأول بعضَهُ، فهو طريقة معروفة. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٦٤].
• وقال الذهبي ﵀: رأيتُ للأشعريِّ ﵀ كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقيُّ، سمعتُ أبا حازم العَبْدَويَّ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسيَّ يقول: لمّا قَرُبَ حضورُ أجلِ أبي الحسن الأشْعَريِّ في داري ببغداد، دعاني فأتيتُه، فقال: اشهدْ عليَّ أني لا أكفِّر أحدًا من أهلِ القبْلة، لأنَّ الكلَّ يشيرونَ إلى معبودٍ واحد، وإنِّما هذا كلُّه اختلاف العبارات.
قال الذهبي ﵀: قلتُ: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخُنا ابنُ تيميةَ ﵀ في أواخر أيامه، يقول: أنا لا أكفر أحدًا من الأمة (^١)، ويقول: قال النبيُّ ﷺ:" لا يُحافِظُ على الوضوء إلاَّ مؤمنٌ " فمن لازم الصَّلَواتِ بوضوءٍ
_________________
(١) إلا إذا فعل شيئًا من المكفرات وقامت عليه الحجة: فحينئذ نكفره كما قاله ﵀ في كثير من كتبه.
[ ٢٩ ]
فهو مُسلم (^١).
[السير (تهذيبه) ٣/ ١١٧٤].
• وقال الذهبي ﵀: كما كان جماعة في أيَّام النبي ﷺ منتسبون إلى صُحبَتِه وإلى ملَّتِه، وهم في الباطن من مَرَدَةِ المنافقين، ولا يعرفهم نبي الله ﷺ، ولا يعلم بهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١].
فإذا جاز على سيِّد البشر أن لا يعلمَ ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فالأولى أن يخفى حالُ جماعةٍ من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته، فما ينبغي لك يا فقيهُ أن تُبادر إلى تكفير المسلم إلاّ ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفانَ والولايةَ فيمن قد تبرهن زغَلُه، وانهتك باطنُهُ وزندقتُه، فلا هذا ولا هذا، بل العدلُ أنَّ من رآه المسلمون صالحًا محسنًا، فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ فيِ الرجل الذي قال: إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في الْيَم، فوالله لئن قدِرَ الله عليَّ ليعذبني عذابًا لَا يعذبه أحدًا من العالمين. فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟. قال: خشيتك، فغفر له. فهذا الرجل اعتَقَدَ أنَّ الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنَّه لا يبعثه. وكل من هذين الاعتقادين كُفْرٌ يكفُر من قامت عليه الحجّة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يردّه عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته. فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالًا من هذا الرجل، فيغفر الله خطأه، أو يعذّبه إن كان منه تفريط في اتِّبَاع الحقّ على قدر دينه. وأمَّا تكفير شخص عُلِم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم. فقد ثبت في الصحيح عن ثابت بن الضحَّاك، عن النبي ﷺ قال: " لعن المؤمن كقتله، ومن رمَى مؤمنًا بالكفر فهو كقتله ". وثبت في الصحيح: " أنَّ من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما ". وإذا كان تكفير المعيّن على سبيل الشتم كقتله، فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟ فإنَّ ذلك أعظم من قتله؛ إذْ كل كافر يُباح قتله، وليس كل من أبيح قتله يكون كافرًا، فقد يُقتل الدَّاعي إلى بدعة؛ لإضلاله الناس وإفساده، مع إمكان أنَّ الله يغفر له في الآخرة لما معه من الإيمان، فإنَّه قد تواترت النصوص بأنّه يخرج من النار مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان. الاستقامة / ١٣٥، ١٣٦
[ ٣٠ ]
الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجرًا أو منافقًا أو مُبطلًا، فهو كذلك، وأنَّ من كان طائفةٌ من الأُمة تُضَلِّلُه، وطائفةٌ من الأُمة تُثني عليه وتبجِّلُه، وطائفة ثالثة تقفُ فيه وتتورَّع من الحطِّ عليه، فهو ممَّن ينبغي أن يعرَض عنه، وأن يُفَوَّضَ أمرُه إلى الله، وأن يستغفَرَ له في الجملة، لأن إسلامَهُ أصليٌّ بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريحُ ويصفو قلبُك من الغِلِّ للمؤمنين.
ثم اعلم أنَّ أهل القبلة كلَّهم، مؤمنَهم وفاسقَهم وسُنِّيَّهُم ومبتدِعَهُم - سوى الصحابة - لم يجمعوا على مسلم بأنَّه سعيد ناجٍ، ولم يُجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصِّديق فرد الأمَّة، قد علمتَ تفرُّقهم فيه وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك عليّ، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المَرِيسيّ، وكذلك أحمدُ بن حنبل والشافعيّ، والبُخاريّ، والنَّسائيّ، وهلمَّ جرًّا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمامٍ كامل في الخير إلا وثمَّ أناسٌ من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمُّونه ويحطُّون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرَّفضِ إلا وله أناس ينتصرون له، ويَذُبُّون عنه، ويَدينون بقوله بهوىً وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل المتصفين بالورع والعلم. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٥٨، ١١٥٩].
• وقال أيضًا ﵀: ولو أن كلَّ من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتِّباع الحقّ - أهدرناه، وبَدَّعناه، لقلَّ منْ يَسْلَم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمَنِّه وكَرَمِه. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٦٢].