قطعُ العلائِق عن الخلائِق
إنَّ سِرَّ الاعتكاف وغايته: الخلوةُ باللهِ وتفريغُ القلب وقطعُ علائقِه بالخلائق؛ ولهذا كان اللائقُ بالمُعْتَكِف أنْ يكون مُنهمكًا في التَّنسُّك والعبادات الخاصة، مُقبلًا على ربِّه بتخليةِ القلب لله، والإلحاح في طلبِ رضاه، والإلحاف (^١) في نيلِ مغفرتِه وعفوه، كما قال عطاء - ﵀ -: «مَثَل المُعْتَكِف كمثل رجلٍ له حاجةٌ إلى عظيمٍ، فجلسَ على بابِه يقولُ: لا أَبرحُ حتى تَقْضِي حاجتي، وكذلك المُعْتَكِف يجلسُ في بَيتِ الله يقول: لا أَبْرحُ حتى يُغْفَر لي» (^٢).
ولهذا كان المشروعُ للمُعْتَكِف أنْ يكونَ عَزوفًا عن الناس، مجافيًا لمجالسِهم، وقد نصَّ الإمامُ أحمد - ﵀ - على أنه ينبغي
_________________
(١) الإلحاف: شدة الإلحاح في المسألة. ينظر: تهذيب اللغة (٥/ ٤٦)، لسان العرب (٩/ ٣١٤) (لحف).
(٢) ذكره السرخسي في المبسوط (٣/ ٨١٥)، وينظر: وظائف رمضان ص (٧٥).
[ ٧ ]
للمُعْتَكِف ألَّا يخالطَ الناس حتى ولو كان ذلك لتعليمِ علم أو إقراء قرآن، وأنَّ الأكملَ له الانفراد والتخلي لمناجاةِ ربِّه وذكرِه ودعائِه (^١).
وبنظرةِ تأمُّل، نجدُ أنَّ عبادةَ الاعتكاف اقترنت بعبادةِ الصوم؛ لأنَّ حكمةَ مشروعيتهما واحدة، وهي: إصلاح القلب بتقوى الله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ويبلغُ العبدُ الصائمُ الذروةَ في إصلاحِ قلبِه حينما يعتزل الناس، ويعتكف بقلبِه وجسدِه، خاليًا بربِّه، منطرحًا بين يديه، وكان مِن هدي النبي - ﷺ - في الاعتكاف الانفرادُ عن الناس، وكان يأمرُ بأنْ يُضربَ له خِبَاء (^٢) في المسجدِ يلزمُه، ويخلو بربِّه، كما قالت عائشة - ﵂ -: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ
_________________
(١) ينظر: مدارج السالكين (١/ ٢٦٣)، وظائف رمضان ص (٦٠).
(٢) الخباء: بكسر المعجمة وتخفيف الموحدة مع المد هي خيمة من وبر أو صوف، ثم أُطلقت على البيت كيف ما كان. ينظر: النهاية (٢/ ٩)، اللسان، (١٤/ ٢٢٣) (خبا).
[ ٨ ]
يَدْخُلُهُ» (^١).
إنَّ جُل الطاعات وكثيرًا مِن العبادات تجتمعُ للعاكفِ المنفردِ الخالي بربِّه، وأعظم هذه العبادات وأشرفها: عبادة القلب، ولأنَّ القلبَ هو سيد الأعضاء فإنه مخصوصٌ بسيد العبادات: الإخلاص، وليس شيءٌ مِن الحالاتِ تزيدُ الإخلاصَ وتُنميه كما في حالةِ العبد المنكسر المنطرح بين يدي مولاه حين الخلوة بالله، والعكوف على طاعته؛ ولهذا فإنَّه يتذوق حلاوةَ الإيمان، ويجد له مذاقًا وطعمًا لا يُساميه أيّ مذاق، ولا يُدانيه أيُّ طعم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
_________________
(١) أخرجه البخاري، (٣/ ٤٨) رقم (٢٠٣٣)، ومسلم (٢/ ٧١٥)، رقم (١١٧٢).
[ ٩ ]