الإقبالُ على اللهِ بُمداومةِ الذِّكر
إنَّ استدامةَ ذكرِ الله واستغفارِه والثناءِ عليه مشهدٌ من مشاهد عكوفِ القلب وصحته وصفائه وبلوغه معالي الدرجات الإيمانية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
إنَّ ذكر الله تعالى يَعمُرُ القلب ويملؤه نورًا وسرورًا، بل إنَّ القلبَ بفقده يكون في ظلامٍ وظُلمة؛ لأنَّ «في القلبِ خلة وفاقة لا يسدها شيء البَتَّة إلا ذكر الله - ﷿ -، فإذا صار شعار القلب، بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له، فهذا هو الذِّكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقة، فيكون صاحبه غنيًّا بلا مال، عزيزًا بلا عشيرة، مهيبًا بلا سلطان، فإذا كان غافلًا عنْ ذِكر الله - ﷿ - فهو
[ ٤١ ]
بضد ذلك، فقير مع كثرة جِدَتِه، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته» (^١).
وقلبُ المؤمن لا يسكنُ ولا يلتذ ولا يجد للحياة مذاقًا وأُنسًا إلا بذكر الله، ولقد وصف الله أهل الإيمان وأولي الألباب بأنهم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١].
فهذا هِجِّيراهُم: اللهج بذكر الله وهم قيام، واللهج بذكره وهم قعود، واللهج بذكره وهم على فرشهم وعلى جنوبهم، تعلقت قلوبهم بالله فاستداموا الذكر في جميع الأحوال.
يا الله، كم هي لفتة قرآنية مؤثرة!! ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾؛ فهم مِن شدة تعلقهم بالله يذكرونه في هذه الحال التي هي مَظِنَّة شرود أو غفلة أو نَصَب، لكنْ هؤلاء قومٌ وصل بهم التعلق الشديد بالله سبحانه ألَّا ينسوه في هذه الحال التي يستحكم فيها الذهول غالبًا.
_________________
(١) الوابل الصيب ص (١٣٩ - ١٤٠).
[ ٤٢ ]
إنه قلب رسخ فيه الإيمان واستمكن، فأحدث ذلك أثرًا في اللسان بحركة دائبة في الذِّكر، حين القيام، والاضطجاع، والقعود، وحين الدخول والخروج، وحين الأكل والشرب، وحين اليقظة وعند النوم، وفي الحضر والسفر، وفي الليل والنهار، فهو دائم الافتقار إلى الله والتعلق به لا يغفل ساعة ولا أدنى من ذلك، فإنْ غفل أو توانى وَجَدَ ثقلًا في النفس، وشعورًا بالنقص لا يَسدُّه إلا مراجعة المسار، وعود القلب إلى مَعينِه ونَعيمِه، ومِنْ ثَمَّ تسطع أنواره، وتتهلل سبحات وجهه.
قال النبي - ﷺ -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١)، وفي رواية: «إِنَّهُ لَيُغَانُ (^٢) عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٥) رقم (٢٧٠٢) (٤٢) من حديث الأغر المزني - ﵁ -.
(٢) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٧/ ٢٣ - ٢٤): «قوله - ﷺ -: «إنه ليغان على قلبي» قال أهل اللغة: الغين -بالغين المعجمة- والغيم بمعنى، والمراد هنا: ما يتغشى القلب، قال القاضي: قيل: المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عد ذلك ذنبا واستغفر منه، قال: وقيل هو همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالها بعده فيستغفر لهم، وقيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم ومحاربة العدو ومداراته وتأليف المؤلفة ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه فيراه ذنبا بالنسبة إلى عظيم منزلته ».
[ ٤٣ ]
اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (^١).
وقال - ﷺ -: «وَالله إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^٢).
وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - أَنَّ فَاطِمَةَ؟ أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ؟ تُسَبِّحِينَ الله عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ الله أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ»، قَالَ عَلِيٌّ: «مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» (^٣).
وعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «إِنِّي لَأُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، قَدْرَ دِيَتِي» (^٤).
وذكر الحافظ عبد الغني في «الكمال» في ترجمة أبي الدرداء - ﵁ -، أنه كان يُسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة (^٥).
_________________
(١) أخرجها مسلم أيضًا (٤/ ٢٠٧٥) رقم (٢٧٠٢) (٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧) رقم (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (٧/ ٦٥) رقم (٥٣٦٢)، ومسلم (٤/ ٢٠٩١) رقم (٢٧٢٧).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٤٥) رقم (٢٦٧٣٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٨٩١)، رقم (٤٧٦٢).
(٥) ينظر: الحاوي للفتاوي للسيوطي (٢/ ٥)، وشذرات الذهب (٢/ ١١٨).
[ ٤٤ ]
إنَّ الله - ﷾ - لم يأمرْ أهل الإيمان بالذِّكر فحسب، بل أمرهم بالإكثارِ منه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقال - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وأبان النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ المكثرين مِن ذِكرِ الله هم أسبق الناس إلى الأجور، فقال - ﷺ -: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ» (^١)، والمُفرِّدُون جمع: مُفرِّد، والمراد به المنفرد والمنقطع إلى الله بقلبه ولسانه لكثرة ذكره.
ولجلالة منزلة الذِّكر وعظيم أثره، كان روحَ الأعمال وأكبرها كما قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (^٢).
ولا شيء يُذَلِّل اللسانَ ويُرطبه، ويَصقل الإيمان ويَرفعه؛ كذكر الله - ﷾ -، ولا سِيما مَن حَافَظَ على أورادٍ مِن الأذكار يَعْمُر بها اللحظات، ويُحيي بها القلب، وقد توارد الصالحون وتوافقوا على
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٦٢)، رقم (٢٦٧٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) على خلاف بين المفسرين في معنى الآية، ولكن هذا أحد الأقوال.
[ ٤٥ ]
أنَّ ذلك هو سلاح المؤمن الذي يَخرق حُجُب الغفلة، ويفتح أقفال القلب في كل عصر، فكيف بعصرٍ تشابكت فيه عاديات الزمان وصوراف الأيام؟!.
تلوحُ في ليالي العشر -عبر نسمات الأسحار، وعبق الاستغفار- فرصةٌ ثمينةٌ لإصلاحِ القلب: حيث الصَّفاء والسَّكينة ولحظات التنزل الإلهي.
إنَّ هذا الصفاء كما يُجدد الإيمان، فإنَّه يُجددُ البراءةَ مِن النفاق، فأهلُ النِّفاق هم أكثر الناس غفلةً وأقلهم ذِكرًا لله، ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] والواجبُ على المؤمن أنْ يخالفَ المنافقين بكثرةِ ذكر الله، قال أبو هريرة - ﵁ -: «مَن أكثر مِن ذكر الله؛ بَرِئ من النِّفَاق» (^١).
فرطِّبْ لسانَك -أيها المُبارك- بذكر الله، فلا شيء أصلح للقلب من ذلك، ولا شيء يُثقِّل الميزان يوم القيامة كالذِّكر.
_________________
(١) ينظر: لسان الميزان (١٩٥٥).
[ ٤٦ ]