الاعترافُ بالذنبِ والتقصير
إنَّ لمحةً خاطفةً، وتأملًا سريعًا في ابتهالات الأنبياء والصالحين ومناجاتهم وأدعيتهم، يكشفُ لك سرًّا يكتنفها، ألا وهو اشتمالها على الاعترافِ بالذنب والظلم، وإليك سِجلًّا وصفحاتٍ مشرقةً من اعترافهم بالذنب والظلم:
فهذا آدم وحواء يدعوان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وهذا موسى - ﵇ - وهو مِن أُولي العزم مِن الرسل- يدعو: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وهذا يونس - ﵇ - يبتهل إلى ربِّه ويُناجيه معترفًا بذنبه بل بكونه مِن الظالمين، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
[ ٣٨ ]
سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وحينما استرشد الصديق - ﵁ - النبي - ﷺ - وقال له: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^١).
إنها التربية النبوية التي تحدُّ مِن استعلاء العبد، وتجعله دائم الافتقار لربه، دائم الانكسار بين يديه مستحضرًا ذنوبه بين عينيه، وإذا كانت هذه هي وصية النبي - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ - وهو مَنْ هو فضلًا وإمامةً وجلالة ونصرةً لدينه وذبًّا عن نبيه؛ فكيف يكون حالنا ونحن المذنبون المفرطون؟!
فالزمْ أيها المُعْتَكِف هذا المشهد، معترفًا بذنبك، مقبلًا على ربك، متيقنًا من قلبك أنَّك مِن الظالمين، واجعل هذه الدعوات
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٦٦) رقم (٨٣٤)، ومسلم (٤/ ٢٠٧٨) رقم (٢٧٠٥) من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ -.
[ ٣٩ ]
المباركة على لسانِك في كلِّ أحوالك، واحذرْ أن تَنْبِسَ (^١) بها بشفتيك، وقلبُك مِن الاعتراف بها خالٍ، فإنَّ حقيقةَ الصدق أنْ يُواطِئ القلبُ ما يجري به اللسان.
_________________
(١) يقال: نَبَسَ نَبْسًا، أي: تكلم وحرك شفتيه، وتكلم بأقل الكلام. ينظر: المحكم والمحيط (٨/ ٥٣٠)، لسان العرب (٦/ ٢٢٥).
[ ٤٠ ]