استشعارُ مَعيَّةِ الله لعبدِه
قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] إنها آية عظيمة يَستوحي منها العبدُ المؤمنُ اطلاع الله عليه في كل تقلباتِه وأحوالِه وعباداتِه، «أي يراك في هذه العبادة العظيمة التي هي الصلاة وقت قيامك وتقلبك راكعًا وساجدًا، وخصَّها بالذِّكرِ لفضلها وشرفها؛ ولأنَّ مَن استحضر فيها قُربَ ربِّه خشعَ وذَل» (^١).
وهذه الآيةُ الكريمة جاءت في آخر سورة الشعراء بعد أمْر النبي - ﷺ - بالإنذارِ والثبات على الحقِّ والتوكلِ على الله؛ فكأنَّ في هذا إلماحة إلى أنَّ استحضارَ مَعيَّة الله لعبدِه واطلاعه عليه حين القيام
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن ص (٥٩٩).
[ ٢٣ ]
بالعبادة، هو زادٌ رُوحي يُسلي قلبَ المؤمن في طريقهِ إلى الله، ويَسُلُّ سخيمتَه، ويُجلي عنه صخب الحياة وكدرها وعذاباتها.
إنَّ استحضار هذه المعيَّة ومراقبة الله لعبده وعلمه بحاله، وإحاطته بسره وعلانيته، وقوله وعمله؛ لهو كفيلٌ بإزالةِ الغشاوة عن القلب وزوال غبار أوضار الدنيا؛ ليحل محلها الإخلاص الذي يلفه سياج الصدق مع الله وابتغاء ثوابه وعطائه الأخروي، فإنَّ مَن كان بهذه المنزلة في الرقابةِ الذاتية عند أداء العبادة لا تتطلع همته إلا إلى أعلى المنازل في الآخرة؛ لأنَّ الدنيا وحظوظها باستشعار معيَّة الله ورقابته تُصبحُ هشيمًا تذروه الرياح، وإذا غابت الرقابة أو ضعفت في قلب العبد هجمت عليه نوازع النفس هجوم الأسد الضاري على فريستهِ في يوم مسغبةٍ وغياب رقيبٍ.
[ ٢٤ ]