الإقبالُ على اللهِ بكثرةِ الدُّعاء
إنَّ مِن أَجَلِّ العبادات التي يظهر فيها ذُلُّ العبد بين يدي ربِّه: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
إنَّ عبادةَ الدعاء في العشرِ الأخير مِن رمضان حينما يكون العبد عاكفًا، لها مذاق يعرفه المتضرعون المنكسرون بين يدي الله، الباكُون المتباكون، حيث يستشعرون القرب مِن مولاهم والوعد بالإجابة، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]،
[ ٤٧ ]
وفي مجيء هذه الآية الكريمة في سياق الصيام مُتَخَلِّلة بينه وبين ذكر الاعتكاف، لفتة عظيمة إلى بيان منزلة عبادة الدعاء حينما يكون العبد صائمًا عاكفًا.
إنها عبادة تتألق في هذه الليالي التي ينكسر فيها العبد، فيَرِقُّ القلب، وتَرِفُّ الروح، فتجف الشهوات وتنكسر النفس، ويكون ذلك تأهيلًا للعبد لأن يكون مُستجيبًا لله، ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ فيستجيب الله له، فإجابة الدعاء تقترن دائمًا بانكسار القلب وضعف النفس وتَحَرُّرِها من ضغوط الشهوات، وهذا لا يتوافر في حال مِن أحوال الإنسان بقدر توافره في حال الصيام والاعتكاف (^١).
وهذا الموطن كبقية المواطن التي يُستحبُ فيها استكانة العبد وانكساره بين يدي ربه، أخرج الطبراني مِن حديث ابن عباس؟ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَدْعُو بِعَرَفَةَ، وَيَدَاهُ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ» (^٢).
_________________
(١) ينظر: روح الصيام ومعانيه ص (١١٦).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣/ ١٨٩) رقم (٢٨٩٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٢١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٩٠)، وإسناده ضعيف.
[ ٤٨ ]
وقد كان بعض الصالحين يجلس بالليل ساكنًا مُطرِقًا برأسِه، يَمُدُّ يديه كحالِ السائل، وهذه من أكمل هيئات الذل والسكينة، والافتقار إلى الله.
وافتقار القلب في الدعاء، وانكساره لله - ﷿ -، واستشعاره شدة الفاقة إليه والحاجة لديه مظنة إجابة، وعلى قدر هذه الحرقة والفاقة تكون الإجابة.
جاء في «جامع الترمذي» وغيره عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الله لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^١).
ومِن جميلِ أحوال الدعاء: إظهار الذُّل باللسان في نفس السؤال مع الإلحاح فيه، قال الأوزاعي - ﵀ -: «يُقَالُ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْإِلْحَاحُ عَلَى الله وَالتَّضَرُّعُ إِلَيْهِ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٣٩٤) رقم (٣٤٧٩)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢١١) رقم (٥١٠٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٧٠) رقم (١٨١٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال الترمذي: «حديث غريب».
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٦٤)، وينظر: التمهيد لابن عبد البر (٥/ ٣٤٦).
[ ٤٩ ]
وعند الطبراني بسندٍ فيه اختلاف عن ابن عباس - ﵄ - أنَّ النبي - ﷺ - دعا يوم عرفة فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَرَى مَكَانِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَنْ خَشَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وَذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ وَرَغِمَ أَنْفُهُ لَكَ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكَ شَقِيًّا، وَكُنْ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا، يَا خَيْرَ الْمَسْئُولِينَ وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ» (^١).
إذنْ فالدعاءُ هو لُب التَّعبد، وخالص العِبادة؛ لما ينطوي عليه مِن الافتقار التام لله، والذُّل بين يديه، وهو أنفع عبوديات القلب وأكثرها تأثيرًا فيه، ولا سيما إذا حضر قلب الداعي، واستحضر معاني ما يدعو به، فإذا كانت تلك الدعوات والابتهالات مما أخبر الله - ﷿ - به مِن أدعيةِ صفوةِ خلقه كانت أنجع شيءٍ للقلب؛ لما تشتمل عليه مِن مجامع الدعاء، وصدق التذلل، واستحضار معاني
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٧٤) رقم (١١٤٠٥)، وفي الدعاء ص (٢٧٤) رقم (٨٧٧)، وفي إسناده ضعف.
[ ٥٠ ]
الربوبية؛ ولهذا كان الأنبياء يُصدِّرون أدعيتَهم بقولهِم: «ربَّنا».
وأكثر أدعية القرآن كذلك، تأتي مُصدَّرة بالتوسل إلى الله بربوبيته، والدَّاعي حينما يدعو الله مُتوسلًا بربوبيته يَحسن له استحضار معنى تربية الله العامة، وهي: الخلق والتدبير، ومعنى التربية الخاصة، وهي: ولايته لخيار خلقه، ولطفه بهم وإصلاحه لدينهم ودنياهم، وذلك لإقبالهم على ربهم، وضراعتهم بين يديه.
ويُستحبُّ له أنْ يدعو بأدعيةِ الأنبياء؛ فإنها أدعيةٌ جامعةٌ، ويَحْسنُ بالداعي أنْ يدعو بدعاء الراسخين في العلم؛ لأنه سبحانه حينما أثنى عليهم ذكر دعوتهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. فتوسلوا إلى الله بربوبيته أنْ يمنحَهم استقامة القلوب وثباتها على مراضي الله، وحفظها مِن الزيغ، والنكوص عن الهداية (^١).
_________________
(١) ينظر: المواهب الربانية من الآيات القرآنية للسعدي ص (٥٦ - ٥٨).
[ ٥١ ]