الحث على زيارة مسجد الرسول - ﷺ - الحمد لله فاطر السموات والأرض، أحمده سبحانه، وهو للحمد أهل، وأشكره وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالحق بشيرًا ونذيرًا.
اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فالكثير من الحجاج يرغبون في السفر إلى المدينة، لزيارة مسجد الرسول - ﷺ - بها، وقد جاء عنه - ﷺ - في الترغيب في ذلك قوله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»، فزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه، مستحبة ومرغب فيها، فالقصد من الزيارة وشد الرحال إلى المدينة هو المسجد النبوي.
أما القبر الشريف فلا يجوز قصده وحده بسفر، ولا شد الرحل إليه، لأن الرسول - ﷺ - قد نهانا عن ذلك، كما نهانا أن نتخذ قبره عيدًا، نعتاد زيارته في أوقات معينة، قال - ﷺ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، وجاء عن علي بن الحسين ﵁، أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - ﷺ -، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا عن أبي، عن جدي، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم
[ ١٤٨ ]
قبورًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، فالرسول - ﷺ -، نهانا بهذا الحديث أن نجعل قبره عيدًا نعتاده في وقت معين كرجب مثلًا، وقد خص الله نبيه من دون الناس، بأن صلاة المصلي عليه وسلامه، يبلغه ولو لم يكن المسلم عند قبره، أو في المدينة، قال - ﷺ -: «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .
فالزيارة إذن، ليست واجبة، وليست من لوازم الحج كما يظنه البعض من الناس، وقد شاع بين العوام أحاديث في زيارة قبر الرسول - ﷺ -، حتى ظنوها أحاديث صحيحة، فهم لذلك يتكبدون المشاق في الزيارة، ويظنون أن زيارة المدينة من تمام الحج، فمن الأحاديث الشائعة المكذوبة على رسول الله - ﷺ -: " من زارني بعد موتي، فإنما زارني في حياتي. من زار قبري وجبت له شفاعتي. من حج ولم يزرني فقد جفاني "، وأمثالها لم تصح عن رسول الله - ﷺ - ولم تثبت، وأهل العلم عدوها من الموضوعات المختلقة.
فعلى من أراد الزيارة: أن يقصد المسجد النبوي بزيارته، ثم يصلي فيه ما تيسر، ثم يسلم على النبي - ﷺ - إن أراد بأدب واحترام، وعدم رفع الصوت، فإن رفع الصوت بالسلام والضجيج ليس من الأدب المطلوب عند رسول الله - ﷺ -، ثم يسلم على صاحبيه أبي بكر وعمر، ﵄، ثم ينصرف ولا يستقبل القبر عند الدعاء، ومن لم يتيسر له الزيارة، فلا حرج عليه، وحجه تام، وقد أدى ما عليه، إذ لم يوجب الله ولا رسوله إلا حج بيته الحرام.
[ ١٤٩ ]
ومن أتى المدينة وصلى في مسجد رسول الله - ﷺ - استحب له أن يصلي في مسجد قباء ويزور قبور أهل البقيع واحدًا واحدًا ولا يشرع تتبع المساجد التي هناك، رأى عمر بن الخطاب ﵁ أناسًا يذهبون إلى مكان فقال أين يذهب هؤلاء قالوا إلى مكان صلى فيه رسول - ﷺ - فقال منكرًا فعلهم: ومكان صلى فيه رسول - ﷺ -؟ ! تريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك من كان قبلكم بهذا.
وفقني الله وإياكم للأعمال الصالحة، وجعل أعمالنا مقبولة نافعة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
_________________
(١) انظر من أحاديث المنبر لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ ص ١٦٧.
[ ١٥٠ ]